الله والذي كان زعيم الشيعة في وقته، وبقي فيها يدرس على يد الشيخ المفيد، وقد بدأ بشرح كتاب شيخه المفيد (المقنعة في الفقه) وأكمله بعد وفاته مما عرف بـ (تهذيب الأحكام) ويأتي الحديث عنه.
بعد وفاة شيخه المفيد سنة (413)هـ انتقل إلى درس الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي الذي أولاه عناية خاصة لما رأى من تفوقه ونبوغه، إلى أن توفي المرتضى سنة (436)هـ.
بعد وفاة الشريف المرتضى صار الشيخ الطوسي محمد بن الحسن أبرز علماء الشيعة، بل والسنة أيضا في تلك الفترة، وفاقهم جميعا حتى أن الخليفة العباسي آنئذ وهو القائم بأمر الله عهد إليه بكرسي الكلام، وهو المنصب الذي لا يعطى إلا لمن أذعن الآخرون لعلمه وفضله. واستمر الحال هكذا (11) سنة، أي إلى سنة (447)هـ حين دخل طغرل بك قائد السلاجقة إلى بغداد لتبدأ فترة الظلمات العلمية فيها.
لقد كانت بغداد تعيش في الفترة السابقة على السلاجقة، أيام البويهيين الذي وإن تم الاختلاف في مذهبهم وأنهم هل كانوا زيدية أو إمامية كما هو الراجح إلا أن هناك اتفاقا على أن أجواء الحرية الفكرية والعلمية كانت سائدة، ولا سيما أيام وزارة الصاحب اسماعيل بن عباد، الشاعر المتميز والأديب المتفوق، إلى درجة أنه استدعى القاضي عبد الجبار المعتزلي (الشافعي المذهب) ليكون قاضيا على الري، وقد الف كتابه المغني في التوحيد والعدل، وجعل جزأه الأخير في الإمامة وأورد فيها كل الحجج التي يؤمن بها في عدم إمامة الأئمة الاثني عشر، وفي تثبيت ما يعتقده من خلافة الخلفاء. كل هذا وهو قاض لوزير شيعي هو الصاحب بن عباد وفي دولة شيعية.كما ذكرنا.
الأمر الذي دعا الشريف المرتضى إلى تأليف كتابه (الشافي في الإمامة) ردا على كتاب القاضي عبد الجبار المعتزلي.
هذا الجو من الحرية الفكرية والذي تميزت به فترة بني بويه من سيطرتهم على بغداد وحكومتهم سنة 321هـ إلى انتهاء فترتهم سنة 447هـ على يد السلاجقة، تغير تماما بدخول العسكريين الأتراك السلاجقة، حيث صودرت الحرية العلمية لصالح تطرف الغوغاء، واستبدل البحث العلمي بالهجوم على المكتبات وحرقها، وضمن هذه الأجواء أحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وهوجمت داره سنة 449هـ وأراد أولئك الغوغاء قتله!
هذا الواقع الجديد وعلائم الفتنة المذهبية التي كان يسعرها الطائفيون من جهة ويتجاوب معها العسكر السلاجقة من جهة أخرى، حدا بشيخ الطائفة الطوسي درءا للفتنة وسدا لباب الحرب المذهبية أن يهاجر منتقلا إلى جوار مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في النجف الأشرف، ليلقي رحله هناك، ولينتقل بانتقاله إليها أهل العلم وطلاب المعرفة والتحقيق فكان أن بدأت النجف عصرا جديدا مع الحوزة العلمية التي تأسست بانتقال شيخ الطائفة إليها.
ويبدو أن عاصفة التعصب لم تكن بين السنة والشيعة فقط بل حتى بين السُّنة أنفسهم، فإن التطرف لا يعرف الحدود القريبة والبعيدة. وفي ما نقله ابن كثير في البداية والنهاية إشارة واضحة إلى هذا الأمر فقد قال في حوادث سنة 447هـ.: وفيها وقعت الفتنة بين السنة والرافضة على العادة، فاقتتلوا قتالا مستمرا، ولا تمكن الدولة أن يحجزوا بين الفريقين. وفيها وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة، فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة،
من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 45
مساهمون: فوزي آل سيف
ص٤٥