وبالطبع لا يعدم هؤلاء قضايا تاريخية، وروايات منقولة، وأجواء سياسية معاصرة، وزعماء في الطرف الآخر متشنجين، فيصبح كل ذلك وقودا في نار الخلاف المشتعلة أصلا، تزيد لهبها وأوارها.
وفي الطرف الآخر فإن هناك من السنة من يرون أن الوحدة لا يمكن أن تنسجم مع الدعوة إلى التشيع ونشر أفكاره! فإن ذلك كما يزعمون خطر على الأمة، وتهديد لنسيجها الاجتماعي، ولا يمكن لانسان أن يدعو إلى الوحدة وفي نفس الوقت يدعو إلى التشيع ويبشر بأفكاره! فالوحدة في رأي هؤلاء إبقاء ما كان على ما هو عليه، وأن لا تحرك السواكن!
وقد أثبت السيد شرف الدين أعلى الله مقامه للطرفين خطأ توجههما، فإننا لا نعرف في العصر الحديث شخصا كتب بمقدار وكفاءة وعمق ما كتب السيد شرف الدين في القضايا (الشيعية) سواء على مستوى الأصول العقدية، كالامامة (في المراجعات)، أو منشأ الخلافات الفقهية كما في النص والاجتهاد وأبي هريرة، أو في الفروع الفقهية محل الاختلاف كما في (مسائل فقهية) وغيرها، لا نعرف شخصا كتب بهذا المقدار كما سيأتي في تعداد كتبه ولا بهذا العمق ولا بتلك الكفاءة والاسلوب المتميز، كما صنع شرف الدين وفي نفس الوقت لا نعرف أحدا في نفس الوقت كانت قضية التقارب والوحدة بين المسلمين شغلا له كما كانت للسيد شرف الدين.
ربما انشغل الكثيرون في المسائل الخلافية والكتابة فيها والحماس لها، وانشغل غيرهم بقضايا الوحدة والتقريب والسعي في أمورها، ولكن أن يجمع شخص طرفي هاتين المسألتين في وقت واحد وبمستوى واحد من الاهتمام، فهذا لا نجده عند أحد كما نجده عند شرف الدين رحمة الله .
هلم معي عزيزي القارئ! نلج في رحاب هذا العالَم الواسع، والعالِم الموسوعي الذي اسمه شرف الدين، من بوابة تأريخه لنفسه[341] معتمدين بشكل أساس على ما ذكره عن حياته، ويكون دورنا في ذلك استكشاف مواضع العبرة والاقتداء.
ها هو السيد بعد أن طوى مقدمات العلوم على يد والده السيد يوسف الذي سرعان ما رأى الإبن (استاذا يغدو على التدريس بسعة ذرعه، ويروح على البحث بشهامة طبعه) يغادر إلى العراق سنة 1310هـ فيبدأ في سامراء درسه حين كانت تعج بطلاب درس الميرزا الشيرازي الكبير رحمة الله ، إلى أن حدثت في سامراء الفتنة الطائفية التي أثارها أجناد الطامعين، عندما حاول هؤلاء تسور بيت الميرزا وإهانته! ثم رموه بالحجارة.
كانت النجف الأشرف هي المحطة الثانية التي أكمل فيها جميع السطوح العالية من فقه وأصول ولغة وفلسفة، وانتقل بعدها إلى بحوث الخارج؛ فحضر بحث الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني في الأصول، وكان في حينه الدرس الأعظم في الأصول، وأما الآخوند الذي تأثر به السيد شرف الدين فإنه لم يجد (أدق منه نظرا ولا أحضر منه ذهنا، ولا ألحن منه بحجة يثبت رأيه بالبينات القاطعة والحجج الملزمة مستظهرا بدليل
هامش
341 من كتب السيد شرف الدين المطبوعة: بعية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين، وقد ضمن هذا الكتاب في الخاتمة سيرته الذاتية. وقد قام مركز العلوم والثقافة الإسلامية مشكورا بتحقيق وطباعة (ما وجد من كتبه رحمه الله تحت عنوان: موسوعة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين.