فقه الخلاف للاتفاق والوحدة
السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي
- 1290 1377هـ
قامة شاهقة تقرب لك جيل الكبار من المؤسسين في المذهب. ذلك هو السيد عبد الحسين[338] شرف الدين.الذي جمع أطراف المجد في عباءة ثم لبسها، فهو ذلك العالم القدير المجتهد الذي كان (إماما في اللغة وعلوم العربية والمنطق والتاريخ والحديث والتفسير والرجال والرواية والأنساب والفقه والأصول والكلام) [339]، وهو ذلك المناظر المحاور المتألق في حلبات النقاش كتابة وشفاها، الذي يحلق عاليا فوق الشبهات والاشكالات المثارة فينقض عليها واحدة بعد الأخرى فيدمرها تدميرا، (وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) [340]، وهو المجاهد الثائر في وجه الاستعمار الفرنسي لكيلا يطرد هذا الجسم الغريب من أرض أجداده في جبل عامل، ولو واجه الاغتيال ومحاولات الاعتقال والمطاردة، والهجرة من بلد إلى بلد.
وهو المصلح الذي يخطط لانهاض أبناء مجتمعه عبر المؤسسات التربوية التعليمية والدينية الثقافية، الذي يتحرك بدأب وحماس مثيرا الهمم ومحرضا للعزائم، حتى يغير وضع منطقة الجنوب اللبناني وأهلها، فينقلهم من ظلمات الاستغلال والاستعباد إلى نور الاستقلال والحرية.
وهو داعية الوحدة بين المسلمين الذي لم يكل دعوة آتت ثمارا، وفي نفس الوقت المنافح عن حق الشيعة على المستويين النظري والعملي. وهذا من العجيب عند البعض.
ذلك أن هناك تصورا خاطئا عند أكثر من فئة:
فهناك بعض شيعة أهل البيت يرون أن الولاء لأهل البيت عليهم السلام هو في علاقة عكسية مع الدعوة للوحدة، فإذا أراد شخص أن يعلن عن شدة ولائه فلا بد أن يرفض الوحدة ودعوات التقارب مع باقي المسلمين، بل لقد أصبح قسم من هؤلاء الناس يقيسون مقدار (تشيع) الشخص بقلة اهتمامه بالطرف الآخر، بل بشدة مناكفته لهم، ويعرض هؤلاء عن كل صوت معتدل في الطرف الآخر السني، وكل توجه متوازن بينهم، وأي مشروع تعاون يستحق البناء عليه لمستقبل الأمة، بزعم أن التشيع لأهل البيت يعني هذا!
هامش
338 يوجد بين الشيعة من يسمى بعبد النبي وعبد الزهراء وعبد الحسين، وهكذا. وبطبيعة الحال ليس المقصود هنا بالعبودية، العبودية المساوية للعبودية لله، فهذا لا يجيزه الإمامية لغير الله عزوجل، وإنما هي عبودية الطاعة والاحترام، وهي هنا تماما مثلما عبر القرآن الكريم {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (سورة النور: من الآية 32) فهؤلاء ليسوا عبيد عبادة، وإنما عبيد طاعة.
339 كلمة آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين في حقه. في مقدمة كتاب المراجعات.
340 الشورى: من الآية 24.