يتكلم بتكبر، ولا يرى قيمة لاحد من الجالسين حوله. فقلت في نفسي كيف سيكون لقاء مثل هذا الانسان مع مرجع المسلمين الشيعة، اخشى أن يحصل ما لا يسر، فتوسلت بكل قلبي الى الله عز وجل بالامام علي عليه السلام ان يريه عظمة المرجعية عندنا، فكنت احاول في الطريق أن أمهد لهذا اللقاء بالكلام حول شخصية السيد أبي الحسن الاصفهاني ومكانته العلمية والدينية في العالم الإسلامي وانقياد المسلمين الشيعة إلى أوامره، وان النجف الاشرف مدينة العلم والعلماء ومركز الإشعاع الديني.
فقال لي الملك وهو لم يعر بالاً لكلامي: أنت شيعي والشيعة يغالون في مدح علمائهم. قلت: من أين لك هذا الانطباع الخاطئ عن الشيعة؟ قال: أنا صديق للدولة العظمى انجلترا وقد اخبرني الانجليز عنكم كثيراً.
اضاف الوزير السيد باقر قائلاً: اخذ الملك عبد الله يتكلم باستهزاء وفي نفس الوقت يذكر حكومة بريطانيا باحترام وعظمة، حتى وجدته يشعر بالحقارة امام الانجليز فاستغربت لهذا الملك المتذلل للكافرين والمستكبر على المسلمين!
وبينما كان موكبنا يقترب من النجف الاشرف زاد خوفي مما سيجري بينه وبين السيد الاصفهاني كنت متحيراً ماذا سيحدث بعد قليل؟ فوضت امري الى الله وخاطبت الامام علياً عليه السلام في قلبي أن يحفظ ماء وجهي ويحافظ على عزتنا أمام هذا الملك المتبختر.
ومن اجل احترام طرفي اللقاء كانت طريقة دخولهما تتم عبر بابين منفصلين ينفتحان على الضريح الشريف من جهتين متقابلتين، فيلتقي الطرفان عند الضريح في وقت واحد. واخيراً التقى الطرفان، بل التقى المتباينان، إذ كانت هيئة المرجع الديني الكبير السيد أبي الحسن الاصفهاني هيئة الزهاد، وهيئة الملك المتكبر هيئة المتجبرين!
بعد العناق والتحيات وكلمات جانبية وجه السيد السؤال التالي إلى الملك: من أين تؤمن الموارد المالية للاردن؟ كان السؤال بالنسبة للملك محرجاً، وغير متوقع فأجابه قائلاً: نحن دول صغيرة، لابد لتأمين وضعنا سياسياً واقتصادياً أن نعتمد على الدول العظمى ولقد تكفلت بريطانيا بتزويدنا المياه الصالحة للشرب وتأسيس محطة للكهرباء، ونحن لها من الشاكرين الاوفياء! واستمر الملك يمجد الانجليز ويصفهم بانهم عقول مفتحة ومتطورة.
فرد عليه السيد ابو الحسن الاصهفاني: أليس من المؤسف أن نمد نحن المسلمين أيدينا إلى المشركين؟ في اعتقادنا أن هذه ذلة واهانة، أنني مستعد أن أمدكم بالمال قدر ما تحتاجون لتعتمدوا على أنفسكم وتستغنوا عن الدعم البريطاني المقترن بالاستعباد.
بهذا الكلام اضحى الملك صغيراً بين يدي السيد، فانكمش واعتدل في مجلسه بعد تلك الغطرسة والتكبر، إذ وجد نفسه أمام رجل ذي يد بيضاء لمصالح المسلمين وذي وعي سياسي لا يستهان، ينظر إلى أفق بعيد.
ثم انتهى اللقاء بتوديع الملك ودعاء السيد الاصفهاني لعزة الإسلام والمسلمين وشكرت الله تعالى على توفيقه هذا المرجع الجليل لاتخاذه هذا الموقف المشرف وفي طريق العودة الى بغداد، قال لي الملك عبد الله وكان غارقاً في التفكير: يا سيد باقر كل ما ذكرته لي عن عظمة هذا السيد كان قليلاً انه في اعتقادي اعظم مما
من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 231
مساهمون: فوزي آل سيف
ص٢٣١