تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
بالمعرفة والتدقيق، فأقام في كاشان ثلاث سنين، يمارس فيها التأليف والتدريس، والمباحثة مع المحقق النراقي، الذي وجد بدوره شخصا بمستوى الشيخ مرتضى ينضج مباحثه، ويثير الملاحظات ليستخرج خبايا الأفكار. حتى لقد نقل عن المحقق النراقي قوله: أني لقيت خمسين مجتهدا فلم أر بينهم مثل الشيخ مرتضى! وواصل مشواره إلى مشهد الرضا عليه السلام ليعود بعدها إلى وطنه دزفول سنة 1244هـ، بعد حوالي عشر سنوات من التطواف والبحث عن العلم والمعرفة، ويبقى فيها خمس سنوات، وعندما أراد الخروج من جديد إلى النجف الأشرف رغبت إليه والدته أن يبقى في دزفول يرشد الناس ويبلغ الأحكام، ومن الطبيعي أن كل والدة تحب أن ترى نتاج غرسها وثمر زرعها بين يديها تتفيأ ظلاله وتنعم بخيره، إلا أن الشيخ مرتضى كانت غايته أسمى وهمته أعلى، وكان ينتظره حظ من المجد العلمي، وجيل من التأسيس الفقهي لما يصل إليه بعد، وكان الموعد في النجف الأشرف، فلم يقبل بالبقاء وحينئذ كانت الاستخارة[276] حلاّ، قالوا: إنه استخار على الذهاب فجاءت الآية ناطقة: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [277]. وعاد الشيخ مرتضى إلى النجف الأشرف مرقد باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، ليستقل بالتدريس فيها، ويبدأ منهجيته في الأصول التي شكلت مرحلة متقدمة من البحث العلمي التخصصي في هذا الجانب، ومن خلالها صنع أفقا جديدا للعلماء والأصوليين الذين درسوا على يده والذين جاؤوا من بعده بحيث يعد البعض هذه المرحلة هي آخر مراحل تطور الفكر الأصولي في المدرسة الإمامية، (أو المرحلة ما قبل الأخيرة). ومع وفاة الأستاذين الشهيرين في النجف الشيخ موسى كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، اجتمعت الحوزة العلمية وطلابها على درس الشيخ مرتضى الأنصاري، باعتباره الأعلم بالاضافة إلى سائر صفاته العملية كزهده وتعففه. ويظهر من بعض القصص أنه كان يراعي حال متوسط الطلاب والمحصلين في الدرس العام فلا يلقي ما يعسر فهمه أو يستعصي على الأكثر، ويخص بعض النابهين والمتقدمين بمزيد من الاهتمام، والرعاية الاستثنائية، كما نقلوا في تعامله مع الميرزا محمد حسن الشيرازي (الكبير) صاحب ثورة التنباك.
هامش
276 الاستخارة: عمل يقوم به الانسان بعد استنفاذ رأيه ومشورة أهل الرأي وعدم وصوله إلى نتيجة مطمئنة، فلكي لا يبقى متحيرا شرعت له الاستخارة بطرقها المختلفة، ومنها بالقرآن، حيث يتوضأ ويقرأ أذكارا ويفتح القرآن الكريم ويرى الصفحة التي فتحها على الجانب الأيمن في أول سطر وينظر ما هو توجهها فإن كان فيه عذاب أو ذم أو لوم أو نهي ترك العمل بما استخار عليه وإن كان بخلاف ذلك من نعيم أو صفات الله الحسنى أو امر عمل به. وقد جرت سيرة العلماء والمؤمنين على الاستخارة في أمورهم مع تحيرهم فيها وعدم وصولهم إلى نتيجة. وهي تختلف عن التفأل، وهو أن يفتح القرآن لكي يرى أنه هل العمل الفلاني سيسير على ما يحب أو لا؟ أو هل سيفلح في المشروع الكذائي؟ والتقأل بهذا المعنى منهي عنه في روايات أهل البيت، بخلاف الاستخارة التي هي مطلوبة. 277 سورة القصص: من الآية 7 وبعض مترجمي الشيخ الأنصاري ذكر أن الاستخارة كانت في الرحلة الأولى.