تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. حين بدأ الشيخ محمد حسن في دراسته لم تكن والدته مقتنعة بأنه سيكون له مستقبل مهم على عكس قناعتها بأخيه الأكبر الشيخ محمد حسين، الذي كانت تأمل أن يكون عالما ملء السمع والبصر، غير أن الشيخ محمد حسين وهو ذاهب إلى مسجد السهلة في الكوفة، وفي أثناء التدريب العسكري الذي قرر لزومه استاذه وزعيم النجف الديني حينها الشيخ جعفر كاشف الغطاء، انطلقت رصاصة خاطئة فاستقرت في صدره، ومعها انتهت أماني الأم في أن ترى ولدها يتصدر الواجهة العلمية. وقد أمهل الزمان هذه الأم لترى أن ما كانت تصبو إلى بعضه في ولدها الأكبر محمد حسين قد تحقق بكماله وتمامه في ولدها الأصغر محمد حسن، والذي لم تكن تتوقع منه شيئا، فإذا به يصنع لعائلته مجدا بحيث أنها نسبت إلى نتيجة عمله وجهده وكتابه (جواهر الكلام) لتصبح عائلة الجواهري! ذلك العمل الذي وصفه بعض العلماء: بأنه لو أراد مؤرخ زمانه أن يثبت الحوادث العجيبة في أيامه ما يجد حادثة بأعجب من تصنيف هذا الكتاب في عصره [257]! وإذا به يصبح المرجعية العليا الدينية للعرب والعجم على السواء. وعلى عكس والدته كان توسم استاذه السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة فيه، فإن استاذه الآخر الشيخ جعفر كاشف الغطاء، كان قد عزم على أن يرسله إلى اصفهان ليستقر فيها مرشدا ومعلما، يقوم بإمامة الجماعة ويقضي حاجاتهم الدينية، غير أن السيد جواد أقنع كاشف الغطاء أن مستقبلا زاهرا ينتظر هذا العالم، وأنه سوف يكون صاحب كرسي التدريس الأول في الحوزة العلمية في النجف، فلا ينبغي أن تضيع هذه الفرصة منه! وبالفعل، فهذا الذي حصل. فبعد أن تتلمذ على يد علماء النجف وفقهائها، كالشيخ قاسم محيي الدين والسيد جواد العاملي والشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء، وابنه الشيخ موسى والسيد علي الطباطبـــائي صاحب (رياض المسائل)، برز بين أقرانه فقيها لا يجارى. وكما أشرنا من قبل إلى أن الوضع في الحوزات العلمية الشيعية لا يعتمد على تعيين سلطان أو حاكم لعالم في منصب أو مقام، وإنما الذي يعينه هو كفاءته وقدرته، واعتراف الوسط العلمي بأعلميته وفقاهته، فحتى لو تم تعيينه فرضا من قبل جهة، ولم يكن ذا قدرة علمية متميزة فإنه لا يستطيع الاستمرار. ومرد ذلك راجع إلى استقلال الحوزات العلمية الشيعية عن السلطات الرسمية، وعدم قبولها بتدخل تلك السلطات في أمورها تعيينا أو عزلا. وأيضا راجع إلى تقاليد الحرية التي سادت في هذه الحوزات من حيث إقبال طلاب العلم على الدرس الذي يعجبهم، والعالم الذي يرتاحون إليه من دون أن يكون هناك (برنامج) يقسرهم على أن يذهبوا لهذا المدرس أو يلتصقوا بذلك العالم.
هامش
257 النوري الميرزا حسين. مستدرك الوسائل 2. 397.