وقد أعان صاحبَ الجواهر بيان رائق وقدرة استثنائية على تفريع المسائل شهد له بهما من عاصره وعرف إنتاجه.
ومنذ أن أكمل الشيخ النجفي كتابه الجواهر وإلى يومنا هذا فهو يتربع على قمة الكتب الفقهية الاستدلالية في الحوزات العلمية بحيث لا يستغني باحث في الفقه عنه، بل لقد نقل عنه نفسه بأنه: من كان عنده جامع المقاصد والوسائل والجواهر فلا يحتاج إلى كتاب للخروج عن عهدة الفحص الواجب على الفقيه في آحاد المسائل الفرعية [258].
ميزات الكتاب ولماذا احتل هذه المكانة؟
بالرغم من كثرة الكتب الاستدلالية الفقهية التي ألفها علماؤنا في أوقات مختلفة منذ زمان شيخ الطائفة الطوسي وإلى أيامنا هذه إلا أن الجواهر يبقى متميزا بينها، ولا بد أن يكون لهذا أسباب مقنعة، فمما ذكر من مميزات الكتاب:
الموسوعية والشمول لكل أبواب الفقه، فإن قسما من كتب علمائنا على جودتها وقوتها إلا أنها لا تشمل إلا بعض أبواب الفقه، ولا تحيط بتمام مواضيعه، وهذا يجعل الباحث غير مكتف بها عن غيرها، بينما جواهر الكلام تميز بأنه فيه تمام أبواب الفقه، ويضاف إلى ذلك أنه محيط ومستوعب لكلمات الأعلام السابقين عليه في المسائل، وهذا ما أشار إليه الشيخ المظفر رحمة الله في مقدمة الجواهر، حيث قال (كتاب لم يؤلف مثله في سعته وأحاطته بأقوال العلماء وأدلتهم ومناقشتها، مع بعد نظر وتحقيق. مضافا إلى أنه كتاب كامل في أبواب الفقه كلها جامع لجميع كتبه) وهذا ما سبقت الاشارة إليه من أن المجتهد يستطيع بالجواهر وجامع المقاصد والوسائل أن يخرج عن عهدة الفحص الواجب[259] عليه قبل الفتوى.
ولو أردنا أن نتكلم بلغة الأرقام، نقول إن الكتاب جاء في 43 مجلدا بالطبع الحديث، ومعدل كل مجلد 400 صفحة، وهذا يعني أكثر من 17000 صفحة علمية، أحيانا يحتاج السطر الواحد منها لمعرفة كامل معانيه إلى فترة غير قليلة من الزمان.
هامش
258 المظفر، الشيخ محمد رضا. مقدمة جواهر الكلام طباعة دار الكتب الإسلامية طهران.
259 لا يستطيع الفقيه الامامي أن يفتي إلا بناء على آية قرآنية كريمة صريحة، أو رواية صحيحة السند واضحة الدلالة عنده، فهذا أحد مقدمات الإفتاء، بل لا بد أن يفحص وأن يجتهد في ذلك ليرى هل هناك مخصصات لتلك الآية المباركة؟ أو روايات معارضة لتلك الرواية الصحيحة، أو قرائن تخصصها أو تشرحها، وربما كانت هناك روايات في باب الديات والحدود في آخر الكتب الروائية، ولها نحو تعلق بروايات باب الطهارة كما أفاد بعض العلماء، وبالتالي فيلزم على الفقيه قبل الافتاء بحكم أن يفحص عن المواضع التي يحتمل فيها وجود تلك المخصصات أو المعارضات أو القرائن، حتى يعالجها لو كانت موجودة. أو يطمئن بعدم وجودها.