صاحب الجواهر
الشيخ محمد حسن النجفي
ت 1266هـ
يقرر القرآن الكريم حقيقة خارجية واضحة للناس وهي أنه {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [255] {وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ}[256] وهو أمر خارجي واضح، إلى أمر معنوي ربما لا يكون بنفس الوضوح، فيستنكر على الذين يسوون بين العلماء والجهلة والعارفين وغير العارفين، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}!
فيضع بذلك مقياساً أساسيا للتفاضل بين الناس، وهو العلم وعدم العلم، فمن كان عالما فهو خير من الجاهل ومتقدم عليه، مهما كان حال الثاني، وملكه للمال أو الشخصية الاجتماعية أو النسب العائلي!
وتعظيم الله للعلماء وتكريمه لهم، لا ريب أنه ينتهي إلى أن يتأسس المجتمع المؤمن على قواعد راسخة من المعرفة. وينطلق من خلالها إلى رحاب الحضارة.
وتتفاوت العلوم بحسب مواضيعها، شرفا وغاية، ولا ريب أن العلوم التي تقرر مصير الإنسان في الآخرة سعادة أو شقاء هي أسمى العلوم. فإن سواها وإن جلت نفعاً إلا أنها ينحصر أثرها في انتفاع الإنسان بها حال الدنيا، فإن الطب مثلا ينفع المريض حال حياته الدنيوية، ولا يؤثر كثيرا في مصيره الأخروي.
ولذلك فقد ذكروا أن أشرف العلوم هو ما تعلق بالله عز وجل و يسّر الوصول إلى رضوانه، وهذا لا يعني أن بقية العلوم لا نفع فيها وإنما الكلام على الأثر المباشر والمستمر.
هذه الفضيلة امتلاك العلم بغض النظر عن سائر (الميزات) هي التي جعلت علماءنا الأبرار، من فقهاء الطائفة يتقدمون سواهم، بغض النظر عن كون هذا المتقدم، مقربا من السلطان أو بعيدا عنه، وعن كونه هاشمي النسب عريقا، أو عامي النسب مغمورا، وعربيا أو أعجميا!
وربما يتحدث البعض عن أن هذا تقدم لأنه أعجمي مثلا، وذاك تأخر لأنه عربي أو بالعكس إلا أن هذا الكلام يجانبه الصواب! فقد رأينا من العرب كالشريف الرضي والشهيدين الأول والثاني والفاضلين الحليين، كما رأينا من العجم كالطوسي والطبرسي والمجلسي وهكذا.
وصاحب الجواهر الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر النجفي هو من أولئكم الأفذاذ الذين سموا بالعلم وسمى بهم، فصنعوا لهم منهم نسبا، وفضيلة وشخصية! ولولا تحليه بالعلم لما كان له ولا لأسرته أي شيء من ذلك!
هامش
255 سورة فاطر: 19.
256 سورة فاطر: 20.