به، ونأتي إليه بقليان -نوع من التبغ- فيشربه، ثم يخرج إلى قبة أخرى تجتمع فيها تلامذته، من كل المذاهب فيدرس لكل على مذهبه. فلما رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفاذ النفقة، وأحضرت القليان على العادة، فإذا بالباب يدقه أحد فاضطرب أشد الاضطراب، وقال لي: خذ القليان وأخرجه من هذا المكان، وقام مسرعا خارجا عن الوقار والسكينة والآداب، ففتح الباب ودخل شخص جليل في هيئة الأعراب، وجلس في تلك القبة وقعد السيد عند بابها، في نهاية الذلة والمسكنة، وأشار إلي أن لا أقرب إليه القليان. فقعدا ساعة يتحدثان، ثم قام فقام السيد مسرعا وفتح الباب، وقبل يده وأركبه على جمله الذي أناخه عنده، ومضى لشأنه، ورجع السيد متغير اللون وناولني براة، وقال: هذه حوالة على رجل صراف، قاعد في جبل الصفا واذهب إليه وخذ منه ما أحيل عليه. قال: فأخذتها وأتيت بها إلى الرجل الموصوف، فلما نظر إليها قبلها وقال: علي بالحماميل فذهبت وأتيت بأربعة حماميل فجاء بالدراهم من الصنف الذي يقال له: ريال فرانسه[242]، يزيد كل واحد على خمسة قرانات العجم وما كانوا يقدرون على حمله، فحملوها على أكتافهم، وأتينا بها إلى الدار. ولما كان في بعض الأيام، ذهبت إلى الصراف لأسأل منه حاله، وممن كانت تلك الحوالة فلم أر صرافا ولا دكانا فسألت عن بعض من حضر في ذلك المكان عن الصراف، فقال: ما عهدنا في هذا المكان صرافا أبدا وإنما يقعد فيه فلان فعرفت أنه من أسرار الملك المنان، وألطاف ولي الرحمانب[243].
قصص من عالم التربية:
التزكية إلى جانب التعلم:
بالاضافة إلى ما كان السيد بحر العلوم مشتغلا به من تعليم الطلاب وتكوين الفقهاء من الناحية العلمية، لم يغفل رضوان الله عليه عن جانب التزكية، والتربية الروحية، إذ لا فائدة كبيرة في تعلم بلا تزكية، ولذا فإن هذا الجانب كان محط نظره، ومحور اهتمامه.
فإنهم ينقلون عنه أنه، ذات يوم لم يخرج إلى الدرس مع كثرة اهتمامه بألا يكون هناك تعطيل للدروس! فاحتمل تلامذته أن يكون السيد متعبا في ذلك اليوم، وعاقه هذا عن الخروج، إلا أنه لم يخرج في اليوم الثاني أيضا، فتوافد أعيان طلابه لمنزله ليروا ما الأمر، ولماذا لم يخرج لمجلس الدرس؟
ولما سألوه عن ذلك، قال لهم: إني خرجت الليلة ما قبل الماضية لشغل كان لدي، فمررت في الطريق ببعض مدارس الطلبة فلم أسمع فيها أصوات المناجاة لله، ولم أر حالة تنبئ عن قيام الليل بالعبادة من قبلهم! فرأيت أن هذا منهج غير صحيح، فما نفع العلم إذا لم يكن إلى جانبه تزكية وتقرب إلى الله وتوجه إليه؟ فرأيت أن الامتناع عن الدرس أجدى حتى يتوجه الطلاب وأهل العلم إلى هذا الجانب. وبالفعل كان درسا مفيدا وعظة
هامش
242 عملة فضية كان يتم التعامل بها، كانت تسك في النمسا ما بين سنة 1741ـ 1858 م، ويتعامل بها فيها وخارجها، وكانت تعرف في الحجاز بـريال فرانسه.
243 بحار الأنوار 53. 237.