الرضا عليه السلام ، حيث مكث في جواره مدة سبع سنين، وأخذ الفلسفة عن المدرس المذكور الذي لاحظ نبوغ السيد مهدي الاستثنائي بحيث كان يستوعب أدق المسائل التي ربما احتاجت إلى أيام لشرحها، بسرعة مذهلة، وقد تكرر منه هذا مع أستاذه الذي لقبه على أثر ذلك بـ (بحر العلوم)!
أسفاره:
يلاحظ في حياة السيد مهدي بحر العلوم كثرة أسفاره، وطول بعضها، وتعدد أغراضها، والعجيب أنه مع هذه الأسفار التي يفترض فيها الانقطاع عن الدرس والبحث، استطاع تخريج عدد كبير من العلماء والفقهاء، عدهم الكتاب في تاريخ الحوزة العلمية من اركان هذه الحوزة، والعلامات المضيئة في تاريخها! فقد سافر إلى مشهد المقدسة سنة 1186هـ، ولما عاد إلى النجف لم يلبث أن سافر إلى مكة المكرمة حاجا ويبقى فيها مدة من الزمان قام فيها بالتدريس في المسجد الحرام على المذاهب الإسلامية المختلفة، وكان لعظمة أحاطته بآراء فقهاء المذاهب الأربعة يتصور أتباع كل مذهب أنه عالم منهم، فالمتبع للمذهب الشافعي يتصور أن هذا المدرس على المذهب الشافعي نظرا لتتبعه وتضلعه فيه، وحنفي المذهب يشعر كذلك، وهكذا شيعة أهل البيت!
وبالاضافة إلى تدريسه في المسجد الحرام كان السيد بحر العلوم يقوم بمهمة أخرى كبيرة وهي تحديد مواقع المناسك، والاطلاع عليها من قرب، وتطبيق ما هو في الروايات على ما هو في الواقع الخارجي. وهي عملية مهمة جدا، فبالرغم من أن الشائع المعروف لدى الفقهاء أن تعيين المصاديق، هو من مسؤولية المكلف ومسؤولية الفقيه هي في الإفتاء وبيان الأحكام، وليس من شأنه تتبع المواضيع. إلا أن هذا الأمر سبب ويسبب مشاكل كثيرة للمكلفين، كما نلاحظ إلى يومنا هذا، فالاستفتاءات والأسئلة لا تتوقف عن الميقات، وهل أن ميقات السيل الكبير هو ميقات من يأتي من جهة الطائف أو أن الميقات الشرعي هو ما يكون على الطريق القديم والمعروف بقرن المنازل؟ والتوسعة الجديدة الحاصلة في المسعى هل يجوز السعي فيها ذهابا وعودة أو لا يجوز؟ وهل أن العمارات المبنية في منى في سفح الجبل تعد من منى حتى يجوز المبيت فيها ليالي التشريق او ليست منها؟ وعشرات الأسئلة من هذا القبيل.
وكما قلنا فإن الإجابة المعروفة للفقهاء هي إحالة الأمر على المكلف وأن عليه أن يسأل أهل المناطق تلك، ويعمل على طبق إجاباتهم، أو من يعرفون هذه المواقع.
السيد بحر العلوم رحمة الله سلك طريقا آخر فسافر إلى مكة مرتين، ومكث في المرتين حوالي سنة، وربما أكثر كما يرى بعض مترجميه، وكان خلال هذه المدة حريصا على معرفة مواقع المناسك على الطبيعة والبحث فيها وقد انتهى إلى نتائج مهمة اعتمد عليها من تأخر عنه.
ومما يثير التساؤل: أنه كيف كان يسافر السيد الطباطبائي هذه الأسفار وقد كانت المرجعية العظمى قد ألقت إليه بجرانها، وأناخت ببابه رحلها؟ خصوصا أن هذا لم يكن معهودا قبله؟ فإن المعتاد أن يبقى المرجع في النجف يدرس فيها ويباحث طلابه، وتأتي إليه الاستفتاءات، ويقود أتباعه من خلال وكلائه ومعتمديه في الأماكن المختلفة.
والجواب على ذلك هو ما ابتكره السيد الطباطبائي من تقسيم مهمات المرجعية، بحيث يتم إدارة كل قسم
من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 161
مساهمون: فوزي آل سيف
ص١٦١