الطوسي، ومن جاء بعده كسلاّر وابن ادريس، فضلا عمن تأخر عن هؤلاء كالمحقق الحلي، والعلامة، والشهيدين والمحقق الثاني الكركي. واستمر هذا التوجه في النمو والازدياد. وسيأتي بعض وجوه الفرق بين المدرستين الفقهيتين.
في الجهة الأخرى يمكن تصنيف أصحاب المدونات الحديثية الأساسية كالكليني والصدوق على(المدرسة الأخبارية أو مدرسة المحدثين)، ثم نرى تراجعا في هذه الجهة إلى أيام الفيض الكاشاني صاحب الوافي وغيره (توفي سنة 1094هـ) والعلامة المجلسي صاحب البحار(توفي سنة 1111هـ) حيث عاد شيء من الألق إلى هذه المدرسة وشهدت الساحة العلمية الشيعية علماء كبارا ينافحون عن هذا التوجه، كالحر العاملي صاحب الوسائل (توفي 1104هـ)، وقبلهم الشيخ محمد أمين الاسترابادي (توفي سنة 1033هـ) والذي بعث الحياة من جديد في التوجه الأخباري، وأعطى له زخما كبيرا، وأدخل المدرستين في مواجهة واضحة. فقد ألف كتاب (الفوائد المدنية) وشنع فيها على المجتهدين الأصوليين في ما قاله من عملهم بالاجتهاد وهو كما يرى العمل بالرأي والقياس، وتقديمهم العقل على النص، واستيراد علم الأصول من علماء السنة إلى الحالة الشيعية، وتربيع أقسام الحديث كما صنع ذلك العلامة مع أنه يفترض أن يتعاملوا مع الأحاديث المدونة في موسوعات الفقه معاملة الصحيح.
وكما تصدى الاسترابادي بقوة لنقد منهج المجتهدين، فقد واجهه بحزم أكبر الوحيد البهبهاني (توفي 1208هـ) واستطاع أن يتغلب على فكرته، وكانت تلك المواجهة النظرية، وما تلاها من تأليفات تبناها تلامذة الوحيد البهبهاني بداية الانسحاب الكبير الذي طرأ على المدرسة الأخبارية، التي وإن استمرت ممثلة في بعض الفقهاء العظام كالشيخ يوسف البحراني وبعض أساتذته إلا أنها اقتربت ممثلة فيه من المدرسة الأصولية، وفقدت زخم المواجهة الذي كان قد بثه فيها المحدث الاسترابادي.
لقد كان منهج الشيخ يوسف منهج المصالحة بين المدرستين، ورفع الحواجز بين التوجهين، وقد استمر هذا التوجه إلى حد أنك لا تستطيع أن تميز بين محدث أخباري وبين مجتهد أصولي، كما أشار إلى ذلك بعض فقهائنا المعاصرين [237].
الفروق المتصورة بين المدرستين: الأصولية والأخبارية:
لقد تحدث المحدث الشيخ يوسف البحراني في مقدمات كتابه: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة عن جهات الاختلاف بين المدرستين، وحاول في آخر الأمر أن يجمع بينهما، ونحن هنا نشير إلى القارئ العزيز حول تلك الفروق، مع أنه لا تنضبط هذه الفروق بشكل دقيق نظرا لوجود آراء لعلماء في كل مدرسة قد تتطرف يمينا وشمالا.، حتى لقد أنهاها بعض علماء المحدثين كما في المقدمة الثانية عشر من الجزء الأول للحدائق إلى ما يزيد عن أربعين فرقا، لكن كلامنا هو في المحصلة العامة.
هامش
237 الطباطبائي الحكيم: السيد محمد سعيد؛ الأصولية والأخبارية فرقة واحدة.