صاحب المدارك (السيد محمد العاملي) يحصل له ظن بها، ونفسها هي تكون محل قطع ويقين بالنسبة لصاحب الذخيرة (المحقق السبزواري)[179]!
وأما عن المنهج العام للمحقق الأردبيلي في فقهه، فقد وصف بأنه:
اعتمد كثيرا على الجانب العقلي: وربما يكون هذا ليس بعيدا عن عما كان سيتمخض عنه الأفق بعد ذلك بمدة قصيرة من تحرك التوجه الأخباري الحديثي في الساحة العلمية الإمامية، وربما كان هذا التوجه ضروريا للابتعاد عن التقيد بالحالة الحرفية للنصوص، والتي كانت بالاضافة إلى تقديس السابقين والذي كان من الممكن أن يعيق الحاضرين عن ابتكار نظريات جديدة وأفكار حديثة، تخالف ما كان عليه السابقون. وقد رأى بعض الفقهاء المعاصرين: أننا حين ننظر إلى نتاجه الفقهي نجد أنه يعتمد على البرهان العقلي مثلما يصنع الفيلسوف أو الرياضي لإثبات نظرياته[180]. وقد أرجع بعضهم هذا إلى أنه عاش في بيئة رياضية وفلسفية أثرت على طريقته حتى في الاستدلال الفقهي.
التشدد في الجانب الروائي والرجالي: فبالرغم من أنه لم يعتمد مقاييس حادة تجاه أخبار الآحاد برفضها ما لم يحصل الاطمئنان بها كما صنع ابن ادريس صاحب السرائر، ولا حدد الاستفادة من خبر الواحد بخصوص الصحيح الأعلائي (الذي يرويه خصوص الامامي الثقة عن مثله) كما صنع صاحب المدارك، إلا أن التدقيق في الروايات وجعلها تحت مجهره الصارم رواية ودراية يلحظ بشكل عام في كتابه مجمع الفائدة، ويلحظ بشكل أوضح لدى تلامذته كالسيد محمد صاحب المدارك، والشيخ حسن ابن الشهيد في منتقى الجمان. وقد أدى هذا بالأول منهما إلى حذف الروايات الضعيفة من دائرة الاستدلال وعدم الاستفادة من الروايات (الموثقة)!
الشجاعة في انتخاب الموقف والفتوى:
لا ريب أن للماضين ضغطا على المتأخرين، لا سيما وأن التاريخ يكسب المتقدم هالة من القداسة والاحترام، فكيف إذا كان الشخص الذي يعيش في الماضي مقدسا بالفعل؟ ولهذا وجدنا أن قسما من المجتهدين ربما بقوا ضمن (أسر) رأي المتقدمين. ويحتاج الفقيه إلى شجاعة أدبية بحيث يتجاوز هيمنة أقطاب العلم والفقاهة السابقين لكي يفتي برأي توصل إليه ولا يلاحظ فيه رأيهم!
وما نقل عن المحقق الأردبيلي هو نموذج من ذلك، ففي فقهه نرى شجاعة في إبداء الرأي فهو يرى أن الفقيه إذا تبين له أن الأمر الفلاني حلال فلا معنى لأن يحتاط بالترك مراعاة لقول آخرين.وهكذا لو توصل إلى أن الأمر الكذائي واجب فكذلك لا معنى لأن يقول بالاحتياط في فعله لأن غيره يقول بعدم الوجوب.
هامش
179 المصدر السابق.
180 آية الله الشبيري الزنجاني في مقابلة مع مجلة فقه المذكورة.