شهادة بلون الدم
القاضي نور الله المرعشي الشوشتري
956ـ 1019هـ
للحديث عن القاضي الشهيد نور الله الشوشتري، أرى من اللازم التقديم بمقدمتين:
الأولى: أنه كان في فقهائنا الإمامية من هو محيط بفتاوى وأدلة المذاهب الأربعة، بنحو يُظن أنه من أتباع تلك المذاهب، بل ربما تفوق في معرفته بها على من هو من علمائها! وهذه نقطة تميز مهمة، ذلك أن من غير الصعب أن يحيط العالم بآراء مذهبه ويأنس بها ويدافع عنها، ولكن من الصعوبة بمكان الاحاطة بفقه مذهب آخر، فتوى وأدلة، وذلك أنه ينتمي إلى منظومة أخرى غالبا لا تتطابق مع المنظومة التي يتبعها في فقه مذهبه!
إنهم يتسابقون في هذا حتى يصبح (أعلم العلماء أعلمهم باختلافهم) كما نقل عن إمام المذهب الحنفي أبي حنيفة، وقد وجدنا بين علمائنا من هو محيط بفقه غيره أكثر من إحاطة أصحاب المذهب أنفسهم، فهذا شيخ الطائفة الطوسي الذي أبرز معرفته بفقه المذاهب (الأربعة وغيرها) في كتاب الخلاف بشكل منقطع النظير، حتى لقد توهم بعض مترجميه ناسبا إياه إلى أهل السنة وقال إنه شافعي المذهب!
وهذا الشهيد الثاني الذي كان يدرّس في المدرسة النورية في بعلبك على المذاهب المختلفة وقد تقدمت ترجمته وإحاطته بفقه مدرسة الصحابة.وسيأتي الحديث عن السيد بحر العلوم الطباطبائي وأنه بقي في مكة المكرمة يلقي دروسا في الفقه على المذاهب المختلفة حتى كان أتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة يظنه منهم لإحاطته بمبانيهم وسعة تتبعه.
القاضي نور الله الشوشتري كان من هذا الصنف الموسوعي، والمحيط معرفة بآراء لمذاهب الفقهية الأخرى وقد ساعده ذلك على البقاء في بيئة غير مسالمة للمذهب الجعفري. هذا بالاضافة إلى معرفته التخصصية بدرجة الاجتهاد في فقه أهل البيت عليهم السلام .
والثانية: أنه قد توجد ظروف تحول الخلاف العقدي بل والفقهي بين المسلمين الى حالة من العداء والتشنج الطائفي حتى تنتهي إلى معارك تراق فيها الدماء. فيتحول بفعل هذه الظروف مسار القضية من كونه التزاما ذاتيا في الفكر الى عمل عدائي ضد الغير في الخارج، ينتهي الى الضرب والجرح حتى يصل إلى القتل. ولا ريب أن هذه الحالة ليست حالة طبيعية.
الحالة الطبيعية هي اختلاف الاراء والاجتهادات (في الاراء الفقهية والاعتقادات).
ولا يتم التحول هكذا صدفة، أو عفوا، وإنما تتحرك عوامل على صناعة هذا التحول، وأهم تلك العوامل هو العامل السياسي (وقد يكون للعوامل الشخصية أثر).
لقد شهدنا في أثناء الصراع السياسي بين الأتراك العثمانيين وبين الفرس الصفويين كيف استخدم كلا
من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 118
مساهمون: فوزي آل سيف
ص١١٨