الطرفين الخلاف المذهبي سلاحا ماضيا، فهؤلاء يستحلون دماء الرافضة، وأولئك يبيحون دماء النواصب. ويعبئ كل فريق جيشه على أنه يقاتل كما قاتل أصحاب الجيل الأول في الإسلام!
السياسيون هنا والحاكمون لأنهم يريدون أن يصادروا الأموال، ويحتلوا الأراضي، ويقتلون فلا بد من إيجاد أرضية تسكت صوت الضمير المعارض لمثل هذه الأمور، ولا أفضل من أرضية النزاع الطائفي.
وفي الغالب يذهب ضحية هذا الصراع خيرة أبناء الأمة من الفريقين على يد حثالتها من الفريقين.
وهكذا ذهب الفقيه المتكلم القاضي نور الله الشوشتري شهيدا، بنحو فجيع يمثل: الشهادة الدامية التي يصدق عليها قول النبي (فوق كل برٍّ برٌّ حتى يقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بر)[183].
كيف كانت البداية؟ وكيف ختم حياته بالشهادة؟
كانت ولادته في شوشتر في جنوب إيران، والتي حين تُعرَّب يقال (تستر) وفيها درس، ثم انتقل إلى خراسان حيث مشهد الامام الرضا عليه السلام في سنة 979هـ، وفيها عكف على التحقيق والبحث والمدارسة ولا يأتي ذكر مفصل عن أساتذته، غير أنه لا بد أن يكون قد استفاد من والده السيد محمد الذي أجازه الفاضل القطيفي ابراهيم بن سليمان[184]، وفي سنة 992هـ ولظروف غير معلومة، انتقل من مشهد و حطت به الرحال في الهند، أيام مملكة جلال الدين محمد أكبر شاه التيموري الذي سمع بمجيئه وأنه رجل فاضل في العلم، فاستقدمه وسمع منه، فأكبره واحترمه، وطلب منه أن يكون في ركابه وأن يعمل في القضاء عنده، ونقل أنه قد جرت بينه وبين أحد علماء عصره مسألة كان فيها حاضر الجواب، وذلك أن العالم الآخر ادعى أن ما يقوله علماء الكلام من أن الروح مجردة لا يصح، وذلك لأن القرآن الكريم أثبت لها الحركة، والانتقال من مكان إلى مكان، وهو من شأن الجسم لا المجرد، كما في قوله تعالى {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ}[185]. ولما لم يكن لدى الحاضرين جواب، أجابه السيد الشوشتري برد ذلك حيث لم يكن هناك ذكر للروح حتى يعود الضمير عليها، بل الظاهر أن الضمير عائد على القلوب، كما وقع في آية {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}[186].
يظهر أن الشاه جلال الدين محمد أكبر لم يكن متعصبا، بالرغم من أنه كان على المذهب الحنفي وقد يكون ذلك راجعا إلى شخصيته وكونه محبا للعلم والمعرفة، ومن يكون هكذا لا يكون في الغالب متعصبا، وإنما يعجب بأهل الفكر وحملة العلم، وأيضا إلى ما ذكروه من أن الصفويين قد ساعدوا هذه الدولة في مواجهة أعدائها، فخفض هذا من مستوى التعصب الطائفي.
هامش
183 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه: الخصال /9.
184 تقدمت ترجمته.
185 سورة الواقعة: 83.
186 الحسيني؛ جلال الدين: فيض الاله في ترجمة القاضي نور الله ص 20 هامش.