أغلق الباب فمشيت خلفه حتى خرج من الغرّي و توجه نحو مسجد الكوفة فكنت خلفه بحيث لا يراني حتى دخل المسجد و صار إلى المحراب الّذي استشهد أمير المؤمنين عليه السّلام عنده، و مكث طويلا، ثم رجع و خرج من المسجد واقبل نحو الغري فكنت خلفه حتى قرب من الحنّانة، فأخذني سعال لم اقدر على دفعه، فالتفت إلي فعرفني، و قال: أنت مير علام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدّسة إلى الآن، و اقسم عليك بحق صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة من البداية إلى النّهاية.
فقال: أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيّا، فلمّا توثق ذلك منّي قال: كنت أفكّر في بعض المسائل و قد أغلقت عليّ فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين عليه السّلام و اسأله عن ذلك، فما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الرّوضة و ابتهلت الى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتا من القبر: أن إئت مسجد الكوفة و سل القائم صلوات اللّه عليه، فإنّه امام زمانك، فأتيت عند المحراب، و سألته عنها فأجبت، و ها أنا أرجع إلى بيتي».
وقد يكون بعض الناس معذورين، عندما لا يصدقون مثل هذه الأمور، لأن الحجم الذي تعرف عليه هؤلاء والصور الموجودة في أذهانهم، ممن يحيطون بهم، في مستوى غير المستوى الذي نتحدث عنه! فإذا كان يتعايش مع أشخاص تتسع ذمتهم لسرقة المليارات من مال الناس، أو المال العام! من دون أن تطرف أعينهم، فماذا يعني الحديث عن أكل تفاحة في النهر؟ وإذا كان الالتزام بأصل الفرائض يعد مفخرة فأين يبقى مجال للحديث عن إعطاء مبالغ طائلة لكي يغتسل عن جنابة تمنعه عن صلاة مستحبة في الليل؟ وهكذا.
هذا عن المقدس الأردبيلي.
ماذا عن (المحقق) الأردبيلي؟
يتحدث الكثير من الباحثين عن أن القداسة والاحتياط لا تتوافق مع التجدد في الفكر والجرأة في الفتوى؟ ولذلك وجدنا أن الغالب فيمن يعرفون بالتقدس العملي، والاحتياط العبادي، أن يكونوا مبتعدين عن الفتوى، غير متجرئين عليها، فضلا عن الإقدام على التجديد فيها، ومخالفة المشهور من أساطين الفقه، وفحول السابقين، فترى قسما منهم يبقى أسير من سبقه، حتى لو لم يكن الدليل عنده تاما على مسلك السابقين! ويكون عندهم رأي المشهور في مسألة كأنه خامس الأدلة بعد الكتاب والسنة والعقل والإجماع!
المحقق الأردبيلي رحمة الله ، تميز بأنه إلى جانب كونه (مقدسا) للغاية، ومحتاطا للنهاية في أمر العبادات، والأخلاق. فقد كان مجددا في الفقه، ومتحررا في أحكامه متبعا للدليل الذي يظهر له. ولا تمنعه الهيمنة الفكرية التي يفرضها قدامى العلماء من أن ينتخب مسلكا غير الذي سلكوه.هذا مع احترامه لمن سبقه، وتعظيمه له.بل ربما دعاه ذلك الاحترام إلى أن يقول إنه لم يفهم مقصود المستدل، لا أنه خطأ! غير أن هذا لم يكن يدفعه إلى موافقته والتسليم له.
ولهذا وجدناه في كثير من الأحيان يشكك في ما هو متسالم عليه بين الفقهاء، ويفتح لمن بعده أبوابا للنظر والتأمل، كما أشار إليه صاحب مفتاح الكرامة وصاحب الجواهر والوحيد البهبهاني.
من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 114
مساهمون: فوزي آل سيف
ص١١٤