تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
هو خارج عن ظاهره - فيما إذا خالف مقتضى الأصل والقاعدة بالمعنى المزبور . وذلك مثل التعدي عن وقف الكافر إلى وقف المسلم ، بلاقصد القربة فإنّه خارج عن معقد الإجماع - المنعقد على صحّة وقف الكافر - . ومثل التعدي عن شهادة ذمي ومسلم معاً - عند فقد شاهد آخر من المسلمين - إلى شهادة ذميّين عند فقد شاهد مسلم . ومثل التعدي عن اشتراط صياغة الخاتم في شراء درهم بدرهم إلى اشتراط أيّ فعل أو نفع حكمي غير صياغة الخاتم . فإنّ النص أو الإجماع في الأوّل مخالف لعمومات اعتبار قصد القربة في الوقف ، وفي الثاني مخالف لعمومات اشتراط الإسلام في الشاهد وعدم قبول شهادة الكافر ، وفي الثالث مخالف لعمومات تحريم مطلق الزيادة في الصرف وكونه من الربا المحرّم .

كلام المحقّق البهبهاني

وإنّ للمحقق البهبهاني ( 1 ) كلاماً جامعاً فيالمقام . حاصله : أنّه لا يجوز التعدي عن موضع النص « 1 » ولا مخالفة
هامش
( 1 ) ( 1 ) قال قدس سره : « قد عرفت أنّه لا بد للمجتهد من مراعاة العلوم اللغوية ، والعرف العامّ والخاص ، وأنّه‌لا يجوز التعدّي عن مدلول النصوص أصلًا ورأساً ، ولا مخالفته مطلقاً ، وأنّ من تعدّى أو خالف بقدر ذرّة ، أو عشر معشار رأس شعرة يكون حاكماً بغير ما أنزل اللَّه ، ومفترياً على اللَّه تعالى ومتعدّياً حدود اللَّه وعاملًا بالقياس ، هالكاً ومهلكاً للناس ، مبتدعاً بدعاً كثيرةً في الدين ، ومضيِّعاً سنّة خيرالمرسلين ، إلى غير ذلك ممّا أشرناإليه‌في « الفائدةالاولى » و « الثانية » . لكن مع ذلك‌ترى أنّه من أوّل الفقه إلى آخره في كل نص يقع التعدي والمخالفة بلا شبهة ، بل لا يجوز عدم التعدي . ولو لم نتعد لحكمنا بغير ما أنزل اللَّه وافترينا على اللَّه وشرّعنا في الدين إلى غير ذلك » ثم قال قدس سره - بعد ذكر أمثلة لموارد عدم جواز التعدي وجوازه ووجوبه - : « فظهر ممّا ذكرنا انّه يحرم التعدي عن النصوص جزماً ، ويحرم عدم التعدي أيضاً جزماً ، ويحرم مخالفة النصوص جزماً ويحرم عدم المخالفة جزماً . فلا بد للمجتهد من معرفة المقامين وتمييزهما ومعرفة دليل التعدي ؛ حتى يكون مجتهداً . . . . ف ف وعدم الفرق بين المقامين أعظم خطراً على المجتهد ، فلو كان أحد لم يفرّق ، ولم يعرف ما به الفرق يُخرّب في الدين تخريبات كثيرة من أوّل الفقه إلى آخره ؛ إذ ربما لا يتفطّن بدليل التعدي فيترك التعدّى ، أو دليل المخالفة فيتركها ؛ زعماً منه أنه تعدٍّ حرام ، ومخالفة حرام ، وربما يعكس الأمر فيتعدى في الموضع الذي لا يجوز تعديه ؛ قياساً له بما يجب فيه التعدي ، وكذا المخالفة ، كما وجدنا غير واحد من العلماء أنّهم يفعلون كذلك . ثم اعلم أنّ التعدي المعتبر عند الفقهاء كثير ، كما ذكرناه سابقاً ، وذكرنا أيضاً في الحاشية التي كتبناها على ديباجة المفاتيح فلاحظ . ونشير إلى بعضها هنا أيضاً ، ونقول : إنّ التعدي ربما يكون بعد ملاحظة أمر ؛ مثل القياس المنصوص العلّة ، ومثل التلازم بين الحكمين ؛ مثل قوله : « إذا قصّرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصّرت » ؛ هذا ولا كلام فيه ، إنّما الكلام في مثل المواضع التي أشرنا إليه ؛ من أنّه بمجرد اللفظ يُفهم التعدي أو المخالفة ، ومعلوم أنّ ذلك لم يتحقّق إلّابمنشأ ، وهو التظافر والتسامع من المسلمين أو الفقهاء ، والانسُ بطريقتهم ، وما فهموا من فتاواهم ، وما رسخ في الخواطر من معاشرتهم ومخالطتهم ، فربما يكون إجماعاً ضرورياً ، وربما يكون إجماعاً نظريّاً ، وربما يكون إجماعاً ظنّياً ، وربما يكون مجرد الشهرة بين الفقهاء . فلا بد من التمييز بين هذه الأقسام ، فإنّ القسمين الأوّلين لا تأمّل في حجيتها ، والآخرين وقع النزاع في كل واحد منهما ، فلا بد من التشخيص ، ومعرفة الدليل ثم الاعتماد والفتوى . واعلم أيضاً أنّ التعدي ربما يصير بتنقيح المناط ، وهو مثل القياس إلّاأنّ العلة فيه منقّحة ؛ أي حصل اليقين بأنّ خصوصية الموضع لا دخل لها في الحكم وكذا اليقين بعدم المانع في مورد آخر ، فيجزم بالتعدي ؛ لامتناع تخلّف المعلول عن العلة مثل قول النبي صلى الله عليه وآله للأعرابي - حين سأله : جامعت أهلي في شهر رمضان ؟ - : « كفّر » ، فإنّ القطع حاصل بأنّ العلة هي الجماع فيه من غيرمدخلية الاعرابية ، ولا كون الجماع بالزوجة الدائمة ، بل المتعة والجارية ، والزنا أيضاً كذلك ، وربما لا يحصل القطع بالنسبة إلى الزنا . وكيف كان فالقطع إنّما حصل بالاجماع وهو المنقّح ؛ إذ لا بد للتنقيح من منقّح شرعاً ، وليس فيما نحن فيه سوى الإجماع . نعم في بعض المواضع يصير المنقّح هو حكم العقل على سبيل اليقين لكنه قليل جدّاً . فالعمدة والأصل هو الإجماع . ولذا قال بعض المحققين ؛ إنّه لا يمكن فهم الحكم من حديث من أوّل الفقه إلى آخره ؛ إلّابمعونة الإجماع ، فلا بد من البحث عن الإجماع » . الفوائدالحائرية : ص 289 - 295