منهم : من أجاز تخصيص العموم بها على كلّ حال ما لم يمنع من ذلك مانع ، وهو مذهب أكثر الفقهاء والمتكلّمين ، « 1 » وهو الظاهر من الشافعي وأصحابه ، وعن أبي الحسين ، « 2 » وغيرهما .
ومنهم من قال : يجوز تخصيصه بخبر الواحد إذا كان قد خُصّ ، لأنّه قد صار مجملًا ومجازاً . وإذا لم يَدخُلْه التخصيص ، لم يجز أن يُخصَّ بها ، وهو مذهب عيسى بن أبان . « 3 »
ومنهم من قال : إذا خُصّ العموم بدليل متّصل مثل الاستثناء وما جرى مجراه ، لم يجز تخصيص العموم به ؛ لأنّ ذلك حقيقة ، على ما حكيناه فيما تقدم .
وإذا خُصّ بدليلٍ منفصلٍ جاز تخصيصه بأخبار الآحاد ؛ لأنّه قد صار مجازاً .
والذي أذهب إليه : أنّهلا يجوز تخصيص العموم بها على كل حال ، سواء خُصَّ أو لم يُخصَّ ، بدليل متصل أو منفصل ، وكيف كان . والذي يدلُّ على ذلك : أنّ عموم القرآن يوجب العلم ، وخبر الواحد يُوجب غلبة الظن ، ولا يجوز أن يُترك العلم للظنّ على حالٍ ، فوجب لذلك أن لا يُخصّ العموم به » . « 4 »
قوله : « ما لم يمنع من ذلك مانع » أي مانع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد ، من إجماع أو سيرة أو لزوم تخصيص الأكثر المستهجن ونحو ذلك .
قوله : « لأن ذلك حقيقة » أي استعمال العامّ المخصص بالمتصل في الباقي حقيقة ، فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد .
هامش
( 1 ) مقصوده أكثر الفقهاء والمتكلمين من العامة ، كالشافعي ومالك وابن حنبل ، وأبي الحسينالبصري وأبي إسحاق والجويني والغزالي والآمدي وابن الحاجب والرازي
( 2 ) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي ، أحد أئمة الاعتزال
( 3 ) هو عيسى بن أبان بن صدقة بن عدي ، كان فقيه مذهب أهل القياس ببغداد ومن أصحاب أبي حنيفة
( 4 ) العُدّة : ج 1 ، ص 343 - 344