أولًا باستقرار عادة العلماء على العمل بالعمومات من غير تعرّض لنفي وجود المخصّص .
وثانياً : بعمل أصحاب الأئمة ببعض الأصول الأربعماءة لما علمنا من عدم وجود جميعها عند كلّهم ، مع عدم ورود أمر من الأئمة بتحصيل الجميع أو نهي عن العمل بالبعض .
ويرد على الوجه الأوّل : لا نسلم لزوم ذكر عدم المخصص فلعلّ العلماء عملوا بالعمومات بعد الفحص عن المخصص واليأس عن وجود المخصص فيما بينهم وبين اللَّه ولكن لم يتعرّضوا لذكر ذلك ، بل هو المعلوم من دأبهم .
وأما أصحاب الأئمة كانوا يسألون عن وظائفهم وتكاليفهم كما تشهد به النصوص المتواترة في مختلف أبواب الفقه ومجرد وجود بعض الأصول عندهم لا يثبت اقتصارهم واكتفاوُهم به في تعيين وظائفهم .
لا ريب في أنّه وردت مخصصات منفصلة شرحت المقصود وكشفت عن المراد الجدي من العمومات الواردة في الشريعة . وهي كثيرة جداً ، حتى اشتهر أنّه « ما من عامّ إلّاوقد خُصّ » . وهذا مانع عن استقرار ظهور عمومات الشريعة في مدلولها ؛ لقوّة احتمال ورود المخصص لها ؛ نظراً إلى ما عُلم من دأب الشارع ومنهجه ؛ من إلقاء الخاص وبيانه منفصلًا عن العامّ غالباً . ومن هنا لا تجري أصالة الظهور في العمومات ، قبل الفحص عن المخصّصات واليأس عن الظفر بها ، وإن صار الفحص إلى حد اليأس أمراً سهلًا في عصرنا ؛ نظراً إلى تدوين الأخبار وتبويبها . ويكفي الاطمئنان المتعارف بعدم المخصص بعد الفحص .
والدليل على استقرار دأب الشارع على ذلك وجدان من له تتبّع وإحاطة بنصوص أهل البيت عليهم السلام .
وأحسن التقاريب في الاستدلال لإثبات المطلوب . أنّ الخطابات الشرعية - من الكتاب والسنّة - إنما تكون حجة على الأحكام الشرعية بمدلولها التصديقي الجدي المراد . وإنّ المخصص كاشف عن المراد من دليل العامّ . ولمّا كان وجود المخصصات الكثيرة في الروايات معلوماً إجمالًا ؛ ولكل دليل عامّ مظنوناً قوياً .
بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 317
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص٣١٧