نقد كلام صاحب الكفاية
هذا لبّ كلام صاحب الكفاية في المقام . وقد عرفت ممّا أوضحناه من كلامه أنه أنكر انقلاب النسبة مطلقاً . وجعل السر في الانقلاب ملاحظة العامّ - بعد تخصيصه بإحدى الخصوصات أو تخصيص أحد العامين بالخاص - بالظهور الجدي الحادث بعد التخصيص .
ولكنه لمّا أنكر ذلك وجعل المعيار في ذلك ملاحظة نسبة العامّ المخصَّص بظهوره الاستعمالي الثابت له قبل العلاج ، فلا محالة أنكر انقلاب النسبة في جميع الصور .
ولكن يرد عليه : أنّ التعارض إنّما هو بين الحجتين ، لا بين الحجة واللاحجة .
والعامّ المخصَّص قد سقط ظهوره الاستعمالي - الثابت له قبل التخصيص - عن الحجية والدليلية بالتخصيص فلا يصلح بظهوره الاستعمالي للمعارضة مع ساير الخصوصات . وأما صلاحيته للتعارض مع الخاص الأوّل فإنّما هو لأجل حجيته بظهور الاستعمالي الثابت له قبل تخصيصه به . وهذا بخلاف مفروض الكلام ، وهو ما إذا لوحظ العامّ المخصّص - بعد تخصيصه بالخاص الأوّل - مع ساير الخصوصات ؛ حيث إنّ العامّ المخصص حينئذٍ ليس حجّة بظهوره الاستعمالي ولا دليلية له بهذا الظهور حتى يصلح للمعارضة معها .
وبهذا البيان ينهدم أساس مبنى صاحب الكفاية .
وأمّا قد يقال : من أنّ العرف لا يرى تقدماً لأحد العامين من وجه على الآخر في تخصيصه بالخاص ، وأنّ المعتبر عندهم ملاحظة العامين بمدلوله الاستعمالي - الثابت قبل التخصيص - كما عن بعض المحققين « 1 » ، فيقوّى بذلك
هامش
( 1 ) وهو السيّد الشهيد الصدر ، حيث قال : « وقد ذهب المحقّق النائيني إلى الأخذ بالنظرة الثانيةوسمي ذلك بانقلاب النسبة ، بينما أخذ صاحب الكفاية بالنظرة الأولى . واستدل الأوّل على انقلاب النسبة بأنا حينما نعارض العامّ الثاني بالعام الأوّل يجب أن ندخل في المعارضة ف ف غير ما فرغنا عن سقوط حجيته من دلالة ذلك العامّ لأنّ ما سقطت حجيته لا معنى لأن يكون معارضاً . ونلاحظ على هذا الاستدلال أنّ المعارضة وإن كانت من شأن الدلالة التي لم تسقط بعد عن الحجية ولكن هذا أمر وتحديد ملاك القرينية أمر آخر لأنّ القرينية تمثل بناءً عرفياً على تقديم الأخص وليس من الضروري أن يراد بالأخص هنا الأخص من الدائرتين الداخلتين في مجال المعارضة بل بالإمكان أن يراد الأخص مدلولًا في نفسه منهما . فالدليل الأخص مدلولًا في نفسه تكون اخصيّته سبباً في تقدم المقدار الداخل منه في المعارضة على معارضه بل هذا هو المطابق للمرتكزات العرفية لأنّ النكتة في جعل الأخصية قرينة على ما تسببه الأخصية عادة من قوة الدلالة ومن الواضح أنّ قوة الدلالة إنّما تحصل من الأخصية مدلولًا وأما مجرد سقوط حجيّة العامّ الأوّل في بعض مدلوله فلا يجعل دلالته في وضوح شمولها للبعض الآخر على حدّ خاص يرد فيه مباشرة فالصحيح ما ذهب إليه صاحب الكفاية » . / المجموعة الكاملة : ج 4 ، ص 525 - 526