ولقد عتق ألف ملوك من صلب ماله ، كلّ ذلك تحفى فيه يداه « 1 » وتعرق جبينه ، التماس وجه اللّه عزّ وجلّ والخلاص من النار ، وما كان قوته إلّا الخل والزيت ، وحلواه التمر إذا وجده ، وملبوسه الكرابيس فإذا فضل عن ثيابه شيء دعا بالجلم فحزه .
وأيضا روى في الحديث ( 175 ) من الروضة ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : « ما أكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم متكئا منذ بعثه اللّه عزّ وجلّ إلى أن قبضه تواضعا للّه عزّ وجلّ ، وما رأى ركبتيه امام جليسه في مجلس قط ، ولا صافح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رجلا قط فنزع يده من يده حتّى يكون الرجل هو الذي ينزع يده ، ولا كافأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بسيئة قط ، قال اللّه تعالى له :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
« 2 » ففعل ، وما منع سائلا قط ، ان كان عنده اعطى وإلّا قال : يأتي اللّه به ، ولا أعطى على اللّه عزّ وجلّ شيئا إلّا أجازه اللّه ، ان كان ليعطي الجنة فيجيز اللّه عزّ وجلّ له ذلك » .
قال : وكان أخوه من بعده والذي ذهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما قط حتّى خرج منها ، واللّه ان كان ليعرض له الأمران كلاهما للّه عزّ وجلّ طاعة فيأخذ بأشدهما على بدنه ، ولقد اعتق ألف مملوك لوجه اللّه عزّ وجلّ دبرت فيهم يداه « 3 » واللّه ما أطاق عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من بعده
هامش
( 1 ) يقال تحفى في الشيء : اجتهد فيه .
( 2 ) الآية ( 96 ) من سورة المؤمنين : 23 .
( 3 ) يقال : دبر دبرا البعير أي أصابته الدبرة - بالتحريك - أي قرح ظهره وصار مجروحا ، والفعل من باب علم ، والمصدر على زنة الفرس ، فمعنى « دبرت فيهم يداه » انّه عليه السلام عمل حتّى جرحت يداه من كثرة العمل ومشقّته ، فاشترى من محصول عمله ألف مملوك وأعتقهم في سبيل اللّه .