التدريج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة ، ومثاله نور الصبح ، فان أوائله تخفى خفاء يشق ادراكه ، ثمّ يتدرج في الزيادة إلى أن يتكامل بطلوع قرص الشمس ، وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور الشمس فالفرق يدرك بين الأعمش وبين حادّ البصر ، بل سنّة اللّه جارية في جميع خلقه بالتدريج في الايجاد ، حتّى ان غريزة الشهوة لا ترتكز في الصبي عند البلوغ دفعة واحدة وبشكل مباغت ، بل تظهر شيئا فشيئا وبالتدريج ، وكذا جميع القوى والصفات . ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنه منخلع من ربقة العقل .
ومن ظن أن عقل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثل عقل آحاد السواد وأجلاف البوادي فهو اخس في نفسه من آحاد السواد ، وكيف ينكر تفاوت الغريزة ، ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ، ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم بالتفهيم إلّا بعد تعب طويل من المعلم ، وإلى ذكي يفهم بأدنى رمز وإشارة ، وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور من دون تعليم
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ، نُورٌ عَلى نُورٍ
وذلك مثل الأنبياء عليهم السلام ، إذ يتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلم وسماع ، ويعبر عن ذلك بالالهام ، وعن مثله عبر نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث قال : « ان روح القدس نفث في روعي :
احبب ما أحببت فانّك مفارقه ، وعش ما شئت فانّك ميت ، واعمل ما شئت فانّك تلاقيه » « 1 » .
وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء عليهم السّلام يخالف الوحي الصريح الذي هو سماع للصوت بحاسة الاذن ، ومشاهدة الملك بحاسّة البصر ، ولذلك أخبر عن هذا بالنفث في الروع .
هامش
( 1 ) وفي بعض النسخ : « فانّك مجزي به » وهذا الحديث مروي من طريقنا ؛ ومن طريق العامة حكي عن الشيرازي في الألقاب من حديث سهل بن سعد ، وعن الطبراني في الأوسط والأصغر من حديث عليّ عليه السّلام .