دارا فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في الدار فيقول : ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وترد إلى مواضعها ؟ ! فيقال له : انها في مواضعها وانما الخلل في بصرك ، فكذلك خلل البصيرة يجري هذا المجرى وأعظم منه وأعطم ، إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس ، وعمى الفارس أشد من عمى الفرس .
ولمشابهة بصيرة الباطن بالبصر الظاهر قال اللّه تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
« 1 » وقال تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 2 » وسمّى ضدّه عمى ، فقال :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 3 » وقال تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
« 4 » .
وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء صلوات اللّه عليهم ، بعضها كان بالبصر وبعضها كان بالبصيرة ، وسمي جميعها رؤية .
وبالجملة من لم تكن بصيرته الباطنة ثاقبة لم يعلق به من الدين إلّا قشوره ، وأمثلته دون لبابه وحقائقه ، فهذه أقسام ما يطلق عليه اسم العقل .
في بيان تفاوت الناس في العقل
قد اختلف الناس في معنى تفاوت العقل ، ولا معنى للانشغال بنقل كلام من قل تحصيله ، بل الأولى المبادرة إلى التصريح بالحقّ ، والحقّ الصريح فيه أن التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة سوى القسم الثاني ، وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ، فان من عرف أن الاثنين أكثر من
هامش
( 1 ) الآية ( 11 ) من سورة النجم : 53 .
( 2 ) الآية ( 75 ) من سورة الأنعام : 6 .
( 3 ) الآية ( 46 ) من سورة الحج : 22 .
( 4 ) الآية ( 72 ) من سورة بني إسرائيل : 17 .