اقرار الألسنة ، فإنهم انقسموا في اقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والاشخاص ، ولذلك قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 1 » ومعناه : ان اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
أي كلّ آدمي فطر على الإيمان باللّه تعالى ، بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه ، أعني انها كالمضمنة فيها لقرب استعدادها للادراك .
ثمّ لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة ، انقسم الناس إلى من أعرض فنسي وهم الكفار ، وإلى من أجال خاطره فتذكر ، فكان كمن حمل شهادة فنسيها في غفلة ثمّ تذكرها ، ولذلك قال تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
« 2 » وقال :
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 3 » وقال :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ
« 4 » وقال :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
« 5 » .
وتسمية هذا تذكرا ليس ببعيد ، وكأن التذكر ضربان : أحدهما أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه ولكن غابت بعد الوجود ، والآخر أن يكون عن صورة كانت مضمنة فيه بالفطرة .
وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة ، ثقيلة على من مستروحه السماع والتقليد ، دون الكشف والعيان ، ولذلك تراه يتخبط في مثل هذه الآيات ، ويتشعب ويتعسف في تأويل التذكر واقرار النفوس أنواعا من التعسفات ويخيّل إليه في الأخبار والآيات ضروبا من المناقضات ، وربّما يغلب ذلك عليه ، حتّى ينظر إليها بعين الاحتقار ، ويعتقد فيها التهافت ، فمثله مثل الأعمى الذي يدخل
هامش
( 1 ) الآية ( 87 ) من سورة الزخرف : 43 .
( 2 ) الآية ( 221 ) من سورة البقرة : 2 ، والآية ( 25 ) من سورة إبراهيم : 14 ؛ والآيات ( 43 ، 46 ، 51 ) من سورة القصص : 28 .
( 3 ) الآية ( 29 ) من سورة ص : 38 .
( 4 ) الآية ( 7 ) من سورة المائدة : 5 .
( 5 ) الآيات ( 17 ، و 22 ، و 32 ، و 40 ) من سورة القمر : 54 .