الواحد عرف أيضا استحالة كون الشخص الواحد في مكانين ، وكون الشيء الواحد قديما حادثا ، وكذلك سائر النظائر ، وكل من يدركه فإنه يدركه اداركا متحققا من غير شك .
وأمّا الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرق إليها : أما القسم الرابع - وهو انتهاء القوة الغريزية إلى حد تستولي على قمع الشهوات - فلا يخفى تفاوت الناس فيه ، بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد ، وهذا التفاوت تارة يكون لتفاوت الشهوة ، إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض ، ولكن غير مقصور عليه ، فان الشباب قد يعجز عن ترك الزنى ، فإذا كبر وتم عقله قدر عليه ، وشهوة الرياء والرئاسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا ، وقد يكون سببه التفاوت في العلم المعرف لغائلة تلك الشهوة ، ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة ، وقد لا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا وان كان يعتقد فيها مضرة في الجملة ، ولكن إذا كان علم الطبيب أتم كان خوفه أشد ، فيكون الخوف جندا للعقل ، وعدة في قمع الشهوة وكسرها ، وكذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من العامي ، لقوة علمه بضرر المعاصي ، واعني به العالم الحقيقي دون أرباب الطيالسة وأصحاب الهذيان ، فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل ، وان كان من جهت العلم فقد سمينا هذا الضرب من العلم عقلا ، فإنه يقوي غريزة العقل ، فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه ، وقد يكون بمجرد التفاوت في غريزة العقل ، فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشد .
وأما القسم الثالث - وهو علوم التجارب - فتفاوت الناس فيها لا ينكر ، فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وبسرعة الادراك ، ويكون السبب في ذلك إما تفاوتا في الغريزة ، واما تفاوتا في الممارسة ، أما الأوّل - أعني الغريزة - فهو الأصل ، فالتفاوت فيه لا سبيل إلى انكاره ، فإنه مثل نور يشرق على النفس ؛ ويطلع صبحه ومبادئ اشراقه عند سن التمييز ، ثمّ لا يزال ينمو ويزداد نموّا خفيّ
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 170
مساهمون: عزيز آل طالب
ص١٧٠