وعن سعيد بن المسيب انّه قال : ان جماعة دخلوا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقالوا : يا رسول اللّه ، من أعلم الناس ؟ فقال : العاقل . فقالوا : فمن أعبد الناس ؟ قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : العاقل . فقالوا : فمن أفضل الناس ؟
قال : العاقل . قالوا : أليس العاقل من تمت مروءته وظهرت فصاحته وجادت كفه وعظمت منزلته ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ان كلّ ذلك لما متاع الحياة الدّنيا ، والآخرة عند ربّك للمتقين ، وان العاقل هو المتقي وان كان في الدنيا خسيسا دنيّا » « 1 » .
وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّما العاقل من آمن باللّه ، وصدق رسله ، وعمل بطاعته » .
ويشبه أن يكون الاسم في أصل اللغة لتلك الغريزة وكذا في الاستعمال ، وانما أطلق على العلوم من حيث إنها ثمرتها ، كما يعرف الشجر بثمرته ، فيقال :
« العلم هو الخشية ، والعالم من يخشى اللّه تعالى » . فان الخشية ثمرة العلم ، فيكون كالمجاز لغير تلك الغريزة ، ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة ، بل المقصود ان هذه الأقسام الأربعة موجودة ، والاسم يطلق على جميعها ، ولا خلاف في وجود جميعها إلّا في القسم الأوّل ، والصواب وجوده ، بل هو الأصل ، وهذه العلوم كأنها مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة ولكن تظهر للوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود ، حتّى كأن هذه العلوم ليست شيئا واردا عليها من خارج ، وكأنها كانت مستكنة فيها فظهرت .
ومثال ذلك الماء في الأرض ، فإنه يظهر بحفر القناة ، ويجتمع ويتميز بالحسّ ، لا بأن يساق إليه شيء جديد ، وكذلك الدهن في اللوز ، وماء الورد في الورد ، ولذلك قال اللّه تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
« 2 » فالمراد به إقرار نفوسهم لا
هامش
( 1 ) قيل : رواه مع التالي داود بن المحبر في كتاب العقل .
( 2 ) الآية ( 172 ) من سورة الأعراف : 7 .