بالمتأمل الاعتناء بقول هذا المدعي ، لأنّه مقر بأن حكمه : « بأن العقل ليس بحاكم » قد صدر عن حكم غير العقل ، وكل حكم صدر عن غير العقل لا بد أنّ يكون منشؤه ومصدره الجهل ، والعاقل في شغل عن الاصغاء إلى قول يكون مصدره الجهل .
فالمهم - هنا - أن نبين ونشرح المقصود بالعقل ، إذ هذا اللفظ - كجلّ الالفاظ الأخر المشتركة - يطلق على معان عديدة ، وبسببه ربّما يشتبه المقصود ، ويلتبس الأمر على السامع والمخاطب ، ولبعضهم هنا كلام لعله لا يقصر عما هو المختار ؛ ولذا نكتفي به ولا نتكلف شيئا آخر :
قال : اعلم أن الناس اختلفوا في حد العقل وأقسامه وحقيقته ، وذهل الأكثرون عن كون هذا الاسم مطلقا على معان مختلفة ، فصار ذلك سبب اختلافهم فيه ، والحقّ الكاشف للغطاء عنه : ان العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان ، كما يطلق اسم العين مثلا على معان عدة ، وما يجري هذا المجرى فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حد واحد ، بل يفرد كلّ قسم منه بالكشف عنه :
المعنى الأوّل : الوصف الذي به يفارق الانسان سائر البهائم ، وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية ، وتدبير الصناعات الخفية الفكرية ، وهو الذي أراده الحارث المحاسبي حيث قال في حد العقل : « انه غريزة يتهيأ بها ادراك العلوم النظرية وتدبير الصناعات ، وكأنه نور يقذف في القلب ، به يستعد لإدراك الأشياء » .
ولم ينصف من أنكر هذا ورد العقل إلى مجرد العلوم الضرورية ، فان الغافل عن العلوم والنائم يسميان عاقلين باعتبار هذه الغريزة ، مع فقد العلوم وكما أن الحياة غريزة بها يتهيأ الجسم للحركات الاختيارية والادراكات الحسية ، فكذلك العقل غريزة بها يتهيؤ بعض الحيوانات للعلوم النظرية .
ولو جاز أن يسّوى بين الانسان والحمار في الغريزة ، ويقال : لا فرق بينهما
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 164
مساهمون: عزيز آل طالب
ص١٦٤