تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ولا يخفى ان مقدمات حكم العقل قد تكون عقلية محضة على اختلاف أنحائها من البديهية والنظرية ، وقد يكون بعضها عقليا محضا ، وبعضها مأخوذا ممن ثبت عند العقل صدقه وكون نظره صوابا ومطابقا للواقع . وأيضا العقل قد يخطئ في حكمه - وان كان هو حين الحكم لا يحتمل الخطأ بل قاطع بالصواب - كما قد يخطئ اللسان فيجري بقول : « لا » في مقام « نعم » وكذا العكس ، وكما قد تخطئ اليد ، فترمي ما يراد امساكه وتمسك ما يراد ارساله ؛ إلى غير ذلك . وبالجملة فقلة موارد حكم العقل أو خطئه أحيانا غير موجبة لإنكار حكمه فضلا عن إنكار أصل العقل . وكيف يسوغ لعاقل متشرع ان ينكر العقل وحكمه ، وأنّى يمكن لمتدبر ان يجحد هذين الأساسين القويمين ، والأصلين الوثيقين ؟ ! وليت الجاحد للعقل وحكمه يشعر ان انكاره هذا مرجعه إلى انكار الضروريات ، والاعتقاد بالسفسطيات ، والسلام على الشرعيات ، والختام على العقائد والديانات ، مع وضوح كون العقل هو الاس ؛ والشرع مبني عليه ، ولم يثبت بناء ما لم يكن اسّ ، كما انّه لن يغني اس - غناء معتدا به - ما لم يكن بناء ، ولنعم ما قال بعضهم : العقل كالبصر ، والشرع كالشعاع ، ولن ينفع البصر ما لم يكن شعاع من خارج ، ولم يغن شعاع ما لم يكن بصر ، ولذا قال تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
« 1 » . وأيضا فالعقل كالسراج ، والشرع كالزيت الذي يمده ، فما لم يكن زيت لم يشعل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضئ الزيت ، ونبّه اللّه تعالى إلى ذلك بقوله :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ
،
هامش
( 1 ) الآيتان ( 15 ، 16 ) من سورة المائدة : 5 .