تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠

وههنا مقامات

المقام الأوّل :

إنّه أطبقت الكتب الإلهية ، واجمع أصحاب الحسّ والادراك من الأمم كافّة على وجود العقل ، وكونه من أجلّ النعم التي امتنّ اللّه بها على خلقه ، وخصّ بها أشرف بريته ، وانّ من حرم منها فكأنه حرم من كلّ شيء ، ومن نالها فقد نال ما يفوق ويعلو كلّ شيء . وأيضا اتفقوا على أن العقل حاكم ، وان حكومته عبارة عن الحث على الخيرات ، والترغيب على تحصيل المصالح وجلب المنافع ، وان حكومته في الشرور والمضار هي الردع عنها ، واجتنابها ، وان حكمه في الموارد الجزئية ، والمواطن الشخصية ، فرع ادراكه على انّه مما فيه النفع أو الضرر سواء كان ترتب النفع أو الضرر على الارتكاب نفسه بلا دخل شيء آخر فيه ، أو كان ترتبهما - قطعا أو احتمالا - من جهة أمر آمر بالارتكاب أو الاجتناب لأجل مصالح أو مفاسد اقتضت ذلك ، مع كون الآمر ممن من شأنه ان يعاقب المتمرد عن أمره أو نهيه . وهذا معنى حكومة العقل ، لا ان حكومته عبارة عن تشكيل جنود حسيّة ، وسجون تكوينية ، وتعذيب بدني خارجي كالضرب بالسوط وقطع الأيدي والأرجل ، وقلع الأسنان ؛ وجدع الأنف ، وفقء العين ، وإبانة الرأس من الجسد ، وصلب الجثة ، إلى غير ذلك من صنوف العذاب التي تمارسها الهيئة المسيطرة الحاكمة . وما ذكرنا من معنى حكومة العقل أمر جلي لا يلتبس على أحد ، إلّا من اختلت مشاعره ، أو خلق من أوّل الأمر مسلوب الشعور ، أو كان ممن في قلبه مرض فينكر هذا الأمر البدهي ليتوصل إلى غرضه ، ويزداد في مرضه .