ولا تختلنّ عدوّك « 171 » ، فإنّه لا يجترىء على اللّه إلّا جاهل [ شقيّ ] ، وقد جعل اللّه عهده وذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته وحريما يسكنون إلى منعته ، ويستفيضون به إلى جواره ، فلا خداع ولا مدالسة ولا إدغال فيه « 172 » ، فلا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه على طلب انفساخه ، فإنّ صبرك على ضيق [ أمر ] ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من اللّه [ فيه ] طلبة ولا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك « 173 » .
هامش
( 171 ) ولا تخفر بعهدك - من باب ضرب ونصر - : فلا تغدر به ولا تنقضه .
وفي نهج البلاغة : « ولا تخيسن بعهدك » أي لا تخونن به ولا تنقضنه . ولا تختلن عدوّك : لا تخدعنه .
( 172 ) الأمن : الأمان . وأفضاه - هنا - بمعنى أفشاه . والحريم : ما حرم مسه ووجبت حرمته .
والمنعة - بالتحريك - : العز والقوة ، والجمع منعات ، - وبفتح الميم وكسرها وسكون النون - : القوة التي تمتنع بها من السوء . ويستفيضون : يفزعون إليه بسرعة . والمدالسة :
الخيانة . والإدغال : الافساد .
وفي نهج البلاغة بعد هذه الفقرة هكذا : « ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل ، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب . . . » .
( 173 ) هذا هو الظاهر الموافق للنهج ، وفي النسخة : « ولا تستقبل . . . » . ويحتمل أيضا صحة النسخة - على ما نذكره عن ابن ميثم رحمه اللّه - أقول : التبعة : ما يتبع ويترتب على عمل السوء من العقوبة . والطلبة - كحبر بتاء التأنيث - : والطلب - كفرس - : الاسم من قولهم : « طالبه طلابا ومطالبة » : طلب منه حقا له عليه . ويجوز عطف « أن تحيط » على « من غدر » كما يجوز عطفها على « تبعة » وعلى الثاني فالمعنى : وتخاف أن تتوجه عليك من اللّه مطالبة بحقه في الوفاء الذي غدرته ، ويأخذ الطلب بجميع أطرافك فلا يمكنك التخلص منه ، ويصعب عليك أن تسأل اللّه أن يقيلك من هذه المطالبة بعفو عنك في دنيا أو آخرة بعد ما تجرأت على عهده بالنقض .
وقال ابن ميثم رحمه اللّه : « وبوصف الطلبة بقوله : « لا تستقبل فيها دنياك ولا آخرتك » أراد انه لا يكون لك معها دنيا تستقبلها وتنتظر خيرها - لعدم الدنيا هناك - ولا آخرة تستقبلها ، إذ لا يستقبل في الآخرة إلّا الأمور الخيرية ، ومن أحاطت به طلبة من اللّه فلا خير له في الآخرة يستقبلها . وروي « تستقيل » بالياء أي لا يكون لك من تلك الطلبة والتبعة إقالة في الدنيا ولا في الآخرة » .