من الوالد الفان ، المقرّ للزّمان ، المستسلم للدّهر ، الذّام للدّنيا ، السّاكن مساكن الموتى ، الظّاعن منها إليهم غدا ، إلى الولد المؤمّل في دنياه ما لا يدرك ، السّالك في الموت سبيل من [ قد ] هلك ، غرض الأسقام ، ورهينة الأيّام ، وقرين الأحزان ، ورميّة المصائب ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ، وأسير الموت ، ونصب الآفات ، وخليفة الأموات .
أمّا بعد يا بنيّ فإنّني فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّي وجنوح الدّهر عليّ ، وإقبال الآخرة إليّ ، ما ينزع بي عن ذكري سواي ، والاهتمام بما ورأي ، غير أنّي حيث تفرّدبي دون هموم الدّنيا همّ نفسي فصدّقني رأيي وصدفني عن هواي ، وصرّح لي محض أمري ، وأفضى بي إلى جدّ لا يزري به لعب ، وصدق لا يشوبه كذب ، وجدتك يا بنيّ بعضي بل وجدتك كلّي حتّى كأنّ لو أنّ شيئا أصابك أصابني ، وحتّى لو أنّ الموت أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي [ [ ف ] كتبت ] إليك كتابي هذا [ تستظهر به ] إن بقيت [ أنا ] أو فنيت .
أوصيك [ يا بنيّ ] بتقوى اللّه ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله فإنّ اللّه يقول :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا »
[ 103 ، آل عمران : 3 ] وأيّ سبب أوثق من سبب يكون بينك وبين اللّه تعالى ، فأحى قلبك بالموعظة ، ونوّره بالحكمة ، ومرّنه على الزّهد ، وقوّه باليقين وذلّله بالموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدّنيا ، وحذّره صولة الدّهر ونحس تقلّب الأيّام واللّيالي « 3 » واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره
هامش
( 3 ) كذا في أصلي المخطوط ، وفي نهج البلاغة ومطبوعة تيسير المطالب : « وفحش تقلب الأيّام والليالي » .