وعقله معاين الآخرة « 3 » ، فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حبّ الدّنيا ، فقذّر حرامها وجانب شبهاتها ، وأضرّ [ وأخذ خ ] واللّه بالحلال الصّافي إلّا ما لا بدّ له ، من كسرة يشدّ بها صلبه ، وثوب يواري به عورته ، « 4 » من أغلظ ما يجد وأخشنه ، ولم يكن له فيما لا بدّ له منه ثقة ولا رجاء ، فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء ، فجدّ واجتهد وأتعب بدنه ، حتّى بدت الأضلاع وغارت العينان ، فأبدل اللّه له من ذلك قوّة في بدنه وشدّة في عقله ، وما ذخر له في الآخرة أكثر .
فارفض الدّنيا فإنّ حبّ الدّنيا يعمي ويصمّ ويبكم ويذلّ الرّقاب ،
هامش
( 3 ) قوله عليه السّلام : « ترفع عقله » على بناء المجهول ، أي صار عقله أرفع من عقولهم . أو أرفع من أن ينظر إلى الدنيا وأهلها ويلتفت إليهم ، ويعتني بشأنهم إلّا لهدايتهم وارشادهم فبدنه مع أهل الدنيا لكونه من جنس أبدانهم في الصورة الجسدانية ، وعقله وقلبه - لشدة يقينه وتفانيه في حب اللّه - معاين الآخرة لتخليته عن العلائق الجسمانية .
( 4 ) من للتبعيض أو البيان ، والثاني هو الظاهر ، واسناد الأبصار إلى الحب على المجاز . أو نفترض المصدر بمعنى اسم المفعول . أو ان الكلمة : « حب » بكسر الحاء ، قال في القاموس : الحب - بالكسر - : المحبوب ، والجمع أحباب . وقوله عليه السّلام : « فقذر حرامها » أي عده قذرا نجسا يجب اجتنابه ، أو كرهه يقال : « قذرت الشيء وتقذرته واستقذرته » - من باب علم وتفعل واستفعل - : كرهته . وقوله عليه السّلام : « وجانب شبهاتها » أي المشتبهات بالحرام من جهة الشبهة الموضوعية واختلاط الأمور الخارجية كأموال الظلمة ، فيكون ارتكابه مكروها على المشهور ، أو المشتبهات بالحرام من جهة الشبهة الحكمية وعدم وضوح حكمها في الشريعة من جهة فقدان الدليل أو اجماله أو تعارضه ، فيكون اجتنابه مستحبا على المشهور ، ولعله عليه السّلام لذلك غير السياق ، فقال في الأول : « فقذر » وفي الثاني : « وجانب » قوله عليه السّلام : « وأضر » أما على بناء المعلوم أو المجهول ، وعلى الأول فهو كناية من الترك وعدم الاعتناء ، وعلى الثاني فالمعنى : ان يعد نفسه متضررة به ، أو يتضرر به لعلو حالة بالحلال الصافي من الشبهة ، فكيف بالحرام والشبهة . هذا ملخص ما افاده المجلسي الوجيه . والكسرة : القطعة من الشيء المكسور ، والجمع : الكسر والكسرات والكسرات .