ألستم ترون وتعلمون أنّكم في منازل من كان قبلكم [ ممّن ] كانوا أطول منكم أعمارا ، وأشهر منكم آثارا ، وأكثر منكم جنودا ، وأشدّ منكم عمودا ؟ ! تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد « 16 » ونزلوا بها أيّ نزول وآثروها أيّ إيثار « 17 » .
فهل بلغكم أنّ الدّنيا سمحت لهم ؟ بل أهلكتهم بالخطوب ، ودهمتهم بالقوارع ، « 18 » وهل صحبتهم إلّا بالتّعسّف ؟ وهل أعقبتهم إلّا النّار ؟ « 19 » .
أفهذه تؤثرون ؟ أو فيها ترغبون ؟ واللّه تبارك وتعالى يقول :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
[ 16 - هود ] .
بئست الدّار لمن لم يتّهمها « 20 » ولم يكن فيها على وجل .
اعلموا - وأنتم تعلمون - أنّكم لا بدّ تاركوها [ و ] أنّها لعب ولهو كما
هامش
( 16 ) أي تذللوا لها وجعلوا أنفسهم كالعبيد لها بالتفاني في شهواتها والانهماك في التفرد بزخارفها .
( 17 ) وبعده في نهج البلاغة هكذا : « ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع » أي بلا زاد يبلغهم إلى الجنة ، وبلا ظهر راحلة يركبونها فيقطعون بها طريق القيامة ، ويصلون إلى دار السّلام .
( 18 ) سمحت لهم : جادت لهم . والخطوب : جمع الخطب - كحرب - : الحوادث المؤلمة ، والنوازل المدهشة . و « دهمتهم » من باب علم ومنع : غشيتهم . والقوارع : النكبات المهلكة ، والشدائد الكاسرة للظهور . وهي جمع القارعة مؤنث القارع .
( 19 ) التعسف - هاهنا - يراد منه العدول عن أداء حقّ الصحبة والعدوان على الصاحب . ثمّ إنّ في المختار : ( 111 ) من نهج البلاغة هاهنا زيادات بديعة .
( 20 ) هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار : ( 111 ) من نهج البلاغة ، وفي الأصل : « لمن لا ينهنهها » . ونهنهه عن الأمر : كفّه وزجره .