المرء بعد صحّته مريضا ، وبعد سلامته نقيصا ، يعالج كربا ، ويقاسي تعبا ، في حشرجة السّياق وتتابع الفراق « 9 » وتردّد الأنين ، والذّهول عن البنات والبنين ، والمرء قد اشتمل عليه شغل شاغل ، وهول هائل ، قد اعتقل منه اللّسان ، وتردّد منه البيان ، فأجاب مكروها ، وفارق الدّنيا مسلوبا ، لا يملكون له نفعا ، ولا لما حلّ به دفعا ، يقول اللّه عزّ وجلّ :
« فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
[ 86 و 87 ، الواقعة : 56 ] .
ثمّ من دون ذلك أهوال [ يوم ] القيامة ، ويوم الحسرة والنّدامة ، يوم ينصب فيه الموازين ، وتنشر [ فيه ] الدّواوين ، لإحصاء كلّ صغيرة ، وإعلان كلّ كبيرة ، يقول اللّه في كتابه :
« وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً »
[ 49 ، الكهف : 18 ] .
أيّها النّاس الآن الآن ، من قبل النّدم ، ومن قبل
« أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »
« 10 » فيردّ [ عليه ] الجليل جلّ جلاله :
« بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ »
[ 59 الزمر :
39 ] فو اللّه ما يسأل الرّجوع إلّا ليعمل صالحا ولا يشرك بعبادة ربّه
هامش
( 9 ) يعالج : يباشر ويزاول ويمارس . و « يقاسي » : يكابد ويتحمل . و « الحشرجة » : تردد النفس والغرغرة عند الموت . و « السياق » : إجراء الشيء وحمله على السير من ورائه ، و « الفراق » : المفارقة .
( 10 ) ما بين القوسين مقتبس من الآية : ( 56 - 58 ) من سورة الزمر : 39 .