بكأس من معين بيضاء لذّة للشّاربين ، أهل الجنّة فيها يتنعّمون ، وأهل النّار فيها يعذّبون ، هؤلاء في السّندس والحرير يتبخترون ، وهؤلاء في الجحيم والسّعير يتقلّبون ، هؤلاء تحشى جماجمهم بمسك الجنان ، وهؤلاء يضربون بمقامع النّيران ، هؤلاء يعانقون الحور في الحجال ، وهؤلاء يطوّقون أطواقا في النّار بالأغلال ، فله فزع قد أعيا الأطبّاء « 13 » وبه داء لا يقبل الدّواء .
يا من يسلّم إلى الدّود ويهدى إليه ، اعتبر بما تسمع وترى ، وقل لعينك تجفو لذّة الكرى « 14 » وتفيض الدّموع بعد الدّموع تترى « 15 » بيتك القبر بيت الأهوال والبلى ، وغايتك الموت يا قليل الحياء .
اسمع يا ذا الغفلة والتّصريف ، من ذوي الوعظ والتّعريف ، جعل يوم الحشر يوم العرض والسّؤال والحباء والنّكال « 16 » يوم تقلب فيه أعمال الأنام وتحصى فيه جميع الآثام ، يوم تذوب من النّفوس أحداق عيونها ، وتضع الحوامل ما في بطونها ، ويفرّق بين كلّ نفس وحبيبها ويحار في تلك الأهوال عقل لبيبها إذ تنكّرت الأرض بعد حسن عمارتها ، وتبدّلت بالخلق بعد أنيق زهرتها « 17 » [ و ] أخرجت من معادن الغيب أثقالها ، ونفضت إلى اللّه
هامش
( 13 ) كذا في أصلي والمصادر الحاكية عنه ، والكلام كناية عن انسداد طرق التخلص على المخلدين في النار ، ويأسهم من النجاة منها . وفي الطبعة الحديثة : في قلبه فزع .
( 14 ) تجفو لذة الكرى : تثقلها وتعرض عنها . والكرى - كعصى - : النوم .
( 15 ) وفي الأصل : « وتفيض من الدموع بعد الدموع تترى » والظاهر أن « من » زائدة .
و « تترى » : متوالية .
( 16 ) كذا في النسخة ، والسياق في حاجة إلى كلمة « انه » بعد قوله : « والتعريف » . والحباء - بكسر الحاء - : العطاء .
( 17 ) الأنيق - على زنة الحبيب - : الحسن المعجب .