بالغلظ . قبل كلّ شيء لا يقال شيء قبله ، وبعد كلّ شيء لا يقال له بعد ، شاء الأشياء لا بهمّة « 4 » درّاك لا بخديعة « 5 » ، في الأشياء كلّها غير متمازج بها ، ولا بائن منها ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجلّ لا باستهلال رؤية ، ناء لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسّم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة ، لا تحويه الأماكن ، ولا تضمّنه الأوقات ، ولا تحدّه الصّفات ، ولا تأخذه السّنات ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله ، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، وبمضادّته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له ، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له ، ضادّ النّور بالظّلمة ، واليبس بالبلل ، والخشن باللّين ، والصّرد بالمحرور . مؤلّف بين متعادياتها ، ومفرّق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على مفرّقها وبتأليفها على مؤلّفها ، وذلك قوله تعالى :
« وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »
[ 49 - الذاريات ] . ففرّق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد له ، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرّزها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها ، [ و ] حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه .
كان ربّا إذ لا مربوب ، وإلها إذ لا مألوه ، وعالما إذ لا معلوم ، وسميعا
هامش
( 4 ) وهذا صريح في أن إرادته تعالى ومشيئته تخالف إرادة المخلوقين ، وهو المستفاد من علوم أهل البيت عليهم السّلام والأخبار المفسرة لإرادته تعالى .
( 5 ) قيل : كأنه عليه السّلام أراد بهذا : أنه سبحانه عالم بما في الضمائر والمكامن ؛ من غير التوسل إلى الاحتيال والخديعة في الوصول إليهما كما هو دأب المخلوقين في نيل ما غاب وخفي عنهم .