فأجاب العبّاس والألم الصارخ * قبل الجواب كان يجيب
كيف أحيا ومن دماء أحبّائي * عفر الثرى نديٌّ خضيب
إخوتي كلّهم على الأرض أشلاء * عليهم عصف الرياح هبوب
أفيبقى في الغمد سيفي وهذي * زعقات الوغى بسيفي تهيب
أنت بين العدا غريبٌ وأبقى * ساكناً إنّ ذاك وهمٌ غريب
لك رمز الفداء عشتُ لأفدي * لك نفساً إلى الفداء تثوب
يا أخي منك أطلب الإذن للموت * وبالحرب يُدرك المطلوب
وتعالى من العطاشى نشيدٌ * مستثيرٌ تذوب منه القلوب
وهناك الحسين قال وفي عينيه * دمعٌ من الفؤاد صبيب
يا أخي هدّني بكاء اليتامى * وبكاء اليتيم لحنٌ مذيب
فأت بالماء للصغار فقد أذواهم * الحزن والظما واللهيب
منع الماء عن حريم رسول اللَّه * رهطٌ لدينه منسوب
حرّموا منبع الفرات على السبط * ومن شاطئيه يُروى الذيب
أحماة القرآن تفعل بابن الوحي * ما يستعيذ منه الصليب
ما جناه الحسين حتّى تلاقيه * بحربٍ منها الرضيع يشيب
حاربت آله بكلّ سلاحٍ * موحشٍ منه تستريب الحروب
عطشٌ قاتلٌ وضغط مبيدٍ * وهُتاف مردٍ وفتكٌ عجيب
والذي حزّ في فؤادي صراخ * لرضيع فؤاده مشعوب
فابغ نهر الفرات واملأ سقاء * فعسى فيه للصغار نصيب
ومضى يحمل السقاء إلى النهر * وللجيش في الشواطي وثوب
ودّع السبط صنوه ببكاءٍ * منه حتّى صمّ الصخور تذوب
كلّما همّ أن يفارقه نازعه * فيه قلبه المجذوب
كيف يبقى حيّاً ويمضي أبو الفضل * إلى الموت إنّ ذاك غريب
ورأى الجيش صولة الحبّ في الحرب * فللسيف ثورةٌ وهبوب
تتلاشى الصفوف ذاك شمال * يتهاوى ضعفاً وذاك جنوب