لو قابلت مقلة الحرباء طلعته * ليلًا لردّ إليها الطرف وهو عمي
تشفي من الداء والبلواء نعمته * وتنفخ الروح في البالي من الرمم
كم أكمةٍ برئت عيناه إذ مسحت * من كفّه ولكم بالسيف قدّ كمي
وكم له بسنين الشهب عارفةٌ * قد أشرقت في جباه الأليل الدهم
لطفٌ من اللَّه لو خصّ النسيم بما * فيه من اللطف أحيا ميّت النسم
على السماوات فيه الأرض قد فخرت * والعرب قد شرفت فيه على العجم
سرّت بمولده امّ القرى فنشا * في حجرها وهو طفلٌ بالغ الحلم
سيفٌ به نسخ التوراة قد نسخت * وآية السيف تمحو آية القلم
يغشى العدا وهو بسّامٌ إذا عبسوا * والموت في ضحكات الصارم الخذم
يفترّ للضرب عن إيماض صاعقةٍ * وللندى عن وميض العارض الرذم
إذا العوالي عليه بالقنا اشتبكت * ظننت في سرجه ضرغامة الاجم
قد جلّ عن سائر التشبيه مرتبةً * إذ فوقه ليس إلّا اللَّه في العظم
شرّف بتربته العرنين منتشعاً * فشمّ تربته أوفى من الشمم
هو الحبيب الذي جنّنت فيه هوىً * يا لائمي في هواه كيف شئت لم
أرى مماتي حياتي في محبّته * ومحنتي وشقائي أهنأ النعم
أسكنته بجناني وهو جنّته * فأثلجت فيه أحشائي على ضرم
عيناً تهوّم إلّا بعد زورته * عدمتها وفؤاداً فيه لم يهم
واهاً على جرعةٍ من ماء طيبة لي * يبلّ في بردها قلبٌ إليه ظمي
للَّه روضة قدسٍ عند منبره * تعدّها الرسل من جنّات عدنهم
حديقةٌ آسها التسبيح نرجسها * وسني عيون السهارى في قيامهم
تبدو حمائمها ليلًا فيؤنسها * رجع المصلّين في أوراد ذكرهم
قد ورّدت أعين الباكين ساحتها * ونوّرت جوّها نيران وجدهم
كفى لأهل الهوى شبّاكه شبكاً * فكم به طائراتٌ من قلوبهم
نبيّ صدقٍ به غرّ الملائك لا * تنفكُّ طائفةً من أمر ربّهم
والرسل لم تأته إلّا لتكسب من * سناه أقمارهم نوراً لتمّهم