وعاد يدير الطرف فيهم مفكّراً * وقد مزّقتهم مرهفات قواضب
فقام لسان الحال ينشد قائلًا * مقالة من قد هذّبته التجارب
فكلّ بلاءٍ نال آل محمّدٍ * فليس سوى يوم السقيفة جالب
فلمّا رأى أن لا محيل من الردى * وكلٌّ عليه صائلٌ ومحارب
تردّى رداء الصبر حتّى كأنّه * عليه سلام اللَّه في القتل راغب
وجرّد عضباً سال ماء فرنده * تذبّ عليه للمنايا عقارب
بحزمٍ كحزم المرتضى يوم بأسه * وعزمٌ له صمّ الصخور دوائب
وأنكى بهم صمصامه فتبسّمت * جسوم الأعادي والوجوه قواطب
يكلّم أعناقاً لهم وهو أبكم * ويخضب في هاماتهم وهو خاضب
إلى أن أصاب الطهر سهماً بنحره * يعالج منه جذبه وهو ناشب
فخرّ عفيراً في الثرى عن جواده * كما انقضّ من جوّ السماوات ثاقب
فيالك عضباً أغمدته يد الردى * وبدر تمامٍ دونه الترب حاجب
وقطبٌ علا دارت عليه دوائر * وصارم مجدٍ فلّ منه المضارب
وشمّر شمرٌ عن ذراعيه حاسراً * وقد عبثت بالقلب منه الرعائب
وراح على صدر العلا متصدّراً * وأبعد منه من إليه يقارب
فلمّا رأى المهر الحسين على الثرى * وشمرٌ على تلك المناكب راكب
نحا نحو فسطاط الحريم محمحماً * وأدمعه فوق الخدود سواكب
فلمّا رأين المهر والسرج خالياً * وشلو حسيناً للمواضي ضرائب
برزن بإعوالٍ عليه ورنّةٍ * وجئن إليه والعقول ذواهب
فمن ثاكلٍ تبكي أخاها بلوعةٍ * وأخرى أباها وهي للدمع ساكب
أيا والدي ما لي أراك مرمّلًا * وشيبك من أوداج نحرك خاضب
أيا والدي ما كنت أحسب أن * أرى على صدرك العالي تجول الخبائب
أيا والدي قد هدّ ركن تصبّري * وجلّت وكاء الدمع منّي المصائب
أيا والدي ما للفواطم ناصرٌ * فهنّ كما شاء العدوّ نهائب
فمبرزةٌ أخرى لها الصون حسر * ة منزّهة ما عابها قطّ عائب