ويُضيّق الدنيا على ابن محمّدٍ * حتّى تقاذفه الفضاء الأعظم
خرج الحسين من المدينة خائفاً * كخروج موسى خائفاً يتكتّم
وقد انجلى عن مكّةٍ وهو ابنها * وبه تشرّفت الحطيم وزمزم
لم يدر أين يريح بُدْنَ ركابه * فكأنّما المأوى عليه مُحرّم
فمضت تؤمُّ به العراق نجائبٌ * مثل النعام به تَخبُّ وترسم
متعطِّفاتٌ كالقِسي موائلًا * وإذا ارتمت فكأنّما هي أسهم
حفَّته خير عصابةٍ مُضريةٍ * كالبدر حين تحفّ فيه الأنجم
ركبٌ حجازيون بين رحالهم * تَسري المنايا أنجدوا أو أتهموا
يحدون في هَزْج التلاوة عِيسَهم * والكلّ في تسبيحه يترنّم
متقلِّدين صَوارماً هنديةً * من عزمهم طُبعت فليس تكهّم
بيض الصفاح كأنّهُنّ صحائفٌ * فيها الحِمام مُعَنْونٌ ومترجَم
إن أبرقت رعدتْ فرائصُ كلّ ذي * بأسٍ وأمطر من جوانبه الدم
ويقوِّمون عوالياً خطِّيةً * تتقاعد الأبطالُ حين تُقوَّم
أطرافُها حمرٌ تُزين بها كما * قد زِين بالكفّ الحضيبة مِعْصم
إن هزّ كلٌّ منهم يزنيَّه * بيديه سابَ كما يَسيبُ الأرقم
وتقمّصوا زَرَد الدروع كأنّه * ماءٌ به غَصُّ الصبا يُتنسَّم
ولَصبرُ أيّوب الذي ادّرعوا به * من نسج داودٍ أشدُّ وأحكم
نزلوا بحَوْمة كربلا فتطلّبت * منهم عوائِدها الطيورُ الحُوَّم
وتباشرَ الوحشُ المثارُ أمامهم * أن سوف يكثرُ شربُه والمطعم
طمعت اميةُ حين قلّ عديدُهم * لطليقِهم في الفتح أن يستسلموا
ورَجَوا مذلَّتَهم فقُلن رماحُهم * من دون ذلك أن تُنال الأنجُم
حتّى إذا اشتبك النزالُ وصرَّحت * صِيدُ الرجال بما تُجِنّ وتكتم
وقع العذابُ على جيوش اميةٍ * من باسلٍ هو في الوقائع مُعلَم
ما راعَهم إلّا تقحُّم ضيغمٍ * غَيران يُعجِم لفظُه ويدمدِم
عَبَست وجوهُ القوم خوف الموت وال * - عبّاس فيهم ضاحكٌ متبسِّم