كأنّ الأفق سدّ فليس يرجى * له نهجٌ إلى كلّ النواحي
كأنّ الشمس قد مسخت نجوماً * تسير مسير أذواد كلاح
كأنّ الليل منفيٌّ طريد * كأنّ الليل بات صريع راح
كأنّ بنات نعشٍ متن حزناً * كأنّ النسر مكسور الجناح
خلوت ببثّ بثّي فيه أشكو * إلى من لا يبلّغني اقتراحي
وكيف أكفّ عن نزوات دهري * وقد هبّت رياح الارتياح
وإنّ بعيد ما أرجو قريب * سيأتي في غدوّي أو رواحي
قلت : رأيت بعض الأفاضل قد كتب على هامش النسخة أنّ هذه الأبيات لأبينصر بن أبيالخرجين الحلبي ، والظاهر أنّ ذلك صحيح ؛ لأنّ هذا النفس غير النفس الذي في الأبيات الأولى ، فإنّ هذه أرفع وتلك أحطّ وأرك « 1 » .
وقال الفاسي : هكذا ذكره صاحب الخريدة ، وذكر ابن السمعاني نسبه في تاريخه هكذا ، وقال : كان عارفاً بالنحو واللغة ، شاعراً ، مدح الأكابر لحصول البلغة ، يصحب وفدهم ، ويطلب رفدهم ، وكان لا يرى أحداً في العالم فوقه . ويعتقد أنّه ما وجد عالم في العلم دونه ، في رأسه دعاوٍ عريضة تدلّ على أنّها بالوساوس مريضة .
قال ابن السمعاني : جرى يوماً حديث ثعلب وتبحّره في العلم ، فقال : ومن ثعلب ؟ أنا أفضل منه . ودخل خراسان وأقام بها ، وعاد إلى بغداد ، وورد واسطاً ، هكذا قول ابن السمعاني ، وتوجّه إلى البصرة على عزم خوزستان وبلاد فارس ، ولا أدري ما فعل اللَّه به ، وذلك في سنة نيّف وثلاثين وخمسمائة انتهى « 2 » .
وقال ابن شدقم : كان سيّداً جليل القدر ، عظيم الشأن ، رفيع المنزلة ، رئيساً فصيحاً بليغاً ، له اطّلاع على علم العربية واللغة ، نديماً مصاحباً للرؤساء والكبار والأعيان ، لحصول البلغة ، ونيل المرام ، فينتظر وفدهم ، وطلب رفدهم ، وكان متعاظماً في ذاته ، لا يرى في العالم قطّ أحداً سواه ، بل يزعم أنّ كلّ الناس دونه في الفصاحة والبلاغة ، في رأسه
هامش
( 1 ) الوافي بالوفيات 11 : 136 - 137 برقم : 216 .
( 2 ) العقد الثمين 3 : 279 برقم : 899 .