ويدلّ عليه أيضاً أمره بالجلوس في خدمته ، وهو الظاهر من قوله عليه السلام « كأنّك ترى أنا من هذا الخلق » لوضوح أنّ مثل هذا الكلام لا يلقى إلّا إلى الخواصّ وأهل المعرفة ، لا إلى العوام والسفلة ، فالتمسّك به في مقام القدح أيضاً غير صحيح ، مضافاً إلى ما في سنده ممّا لا يخفى على الخبير .
ومن الأمور التي يتوهّم منها قدح الرجل ، ما هو المستفاد ممّا رواه ثقة الاسلام في باب الصناعات من معيشة الكافي : عن يحيى بن أبيالعلاء ، عن إسحاق بن عمّار ، قال : دخلت على أبي عبداللَّه عليه السلام ، فخبّرته أنّه ولد لي غلام .
إلى أن قال : قلت : جعلت فداك في أيّ الأعمال أضعه ؟ قال : إذا عدلته عن خمسة أشياء فضعه حيث شئت : لا تسلمه صيرفياً ، فإنّ الصيرفي لا يسلم من الربا ، ولا تسلمه بيّاع الأكفان ، فإنّ صاحب الأكفان يسرّه الوباء إذا كان ، ولا تسلمه بيّاع طعام ، فإنّه لا يسلم من الاحتكار ، ولا تسلمه جزّاراً ، فأنّ الجزّار تسلب منه الرحمة ، ولا تسلمه نخّاساً ، فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : شرّ الناس من باع الناس « 1 » .
وجه الاستفادة : هو أنّه عليه السلام نهى عن الصيرفية ، وقد كان إسحاق بن عمّار صيرفياً ، ولم يسمع أنّه انتهى عنه بعده .
والجواب عنه : أنّ النهي فيه تنزيهي لا تحريمي ، ولذا عدّ هذه الصنعة من الصنائع المكروهة لا المحرّمة ، مضافاً إلى أنّه عليه السلام لم ينه إسحاق بن عمّار عن الاشتغال بذلك ، بل نهى عن تسليم ابنه بالصيرفي ، وأين ذلك في النهي عن اشتغاله بذلك .
وتعليله عليه السلام بأنّ الصيرفي لا يسلم من الربا ، محمول على الأغلب ، كما لا يخفى ،
هامش
( 1 ) فروع الكافي 5 : 114 ح 4 .