ثمّ قال : آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول :
خذوه ، فيا له من مأخوذ ، لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمهم الملأ إذا أذن فيه بالنداء ، آه من نارٍ تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشوى ، آه من غمرةٍ من متلهبات لظى .
ثمّ أنعم عليه السلام « 1 » في البكاء ، فلم أسمع له حسّاً ، فقلت : غلب عليه النوم ، أوقظه لصلاة الفجر ، فأتيته ، فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، مات واللّه علي بن أبي طالب .
قال : فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة عليها السلام : ما كان من شأنه ؟
فأخبرتها ، فقالت : هي واللّه الغشية التي تأخذه من خشية اللّه تعالى ، ثمّ أتوه بماء ، فنضحوه على وجهه .
فأفاق ونظر إليّ وأنا أبكي ، فقال : ممّ بكاؤك يا أباالدرداء ؟ فكيف ولو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ ، وزبانية فظاظ ، فوقفت « 2 » بين يدي الملك الجبّار ، قد أسلمتني الأحبّاء ، ورحمني أهل الدنيا أشدّ رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه خافية « 3 » .
وأخذ زين العابدين عليه السلام بعض صحف عباداته ، فقرأ فيها يسيراً ، ثمّ تركها من يده متضجّراً ، وقال : من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام « 4 » .
هامش
( 1 ) أي بالغ .
( 2 ) في « ع » : فرفعت .
( 3 ) روضة الواعظين 1 : 260 - 262 برقم : 270 .
( 4 ) الإرشاد للشيخ المفيد 2 : 142 .