فلمّا دخل بهم إلى مصر على هذه الصفة أنكر عليه الناس ، وما هان ذلك على الغوري وتعب من ترك مكّة في أيدي العصاة ، وفي ذلك يقول أبو الطيّب أحمد بن حسين العليف المكّي قصيدته الكافية يسلّي بها الشريف بركات ، ويحثّه على الصبر ، ومطلع القصيدة :
عزيز على بيت النبوّة والملك * مقام على ذلّ المهانة والفتك
وأعظم ما يلقى الكريم من الأسى « 1 » * على النفس ما يلقى من الضيم والضنك
برغم العلا والسيف والمجد والندى * حصلت أبا عجلان في قبضة الترك
وهي من غرر القصائد ، ودرر القلائد ، ولو ظفرت بها حال الكتابة لأثبتها « 2 » ، لا كما قال صاحب الوسيلة : فلا نحتاج نطيل الكلام بذكرها . وهو يطيل الكلام في بعض الأحيان بما لا فائدة فيه ، فكيف بهذه القصيدة الغرّاء .
ثمّ إنّ الغوري أطلق الشريف بركات من الأغلال التي كان بها ، وأكرم نزله هو وجماعته ، ورتّب لهم الكفاية ، وصار يتردّد الشريف بركات على الغوري وأعيان مملكته ، ثمّ فرّ بعد ذلك إلى مكّة المشرّفة ، وذلك في أواخر سنة تسع وتسعمائة ، فظفر في طريقه بقاصد أعدائه « 3 » متوجّها إلى السلطان ، وهو السيّد بطاح الحسني ، فقتله ، وحاز ما معه من الأموال والهدايا .
وفي غيبته فتك الأتراك المقيمون بمكّة بأخيه الشريف جازان ، وقتلوه في المطاف ضحى يوم الجمعة عاشر رجب من السنة المذكورة ، وولّوا أخاه السيّد
هامش
( 1 ) في السمط : الأذى .
( 2 ) وهي بكاملها موجودة في السمط النجوم العوالي 2 : 300 - 301 ، فراجع .
( 3 ) في « ن » : فظفر بأعدائه .