حيث أتى بمعاني قليلة في ألفاظ كثيرة غريبة ، والنابغة راعى التناسب « 1 » . انتهى النقل من أنوار الربيع رحم اللّه مؤلّفه .
فأقول : قد ينتقد مطلع قصيدة ابن المقرئ المتقدّمة ، وهو :
أحسنت في تدبير ملكك يا حسن * وأجدت في تحليل أخلاط الفتن
بمثل ما انتقد به مطلع قصيدة امرئ القيس المتقدّم ذكره ، وهو « قفا نبك » البيت ، وذلك من وجوه :
الأوّل : عدم التناسب بين الشطرين في عذوبة الألفاظ ، وقوّة السبك ، ألا ترى عذوبة ألفاظ الشطر الأوّل ، وعدم عذوبة ألفاظ الشطر الثاني .
والثاني : أنّك إذا قرئ عليك الشطر الأوّل ، قلت : هذا عربي ، لم تخالطه حضارة ، قد تمكّن من قوّة السبك وجزالة الألفاظ . وإذا قرئ عليك الشطر الثاني ، قلت : هذا حكيم قد صرف نفيس عمره في تحقيق معرفة الأخلاط ، والتفريق بين أنواعها وطبائعها ، ثمّ صرف مدّة في بيان الأدوية والعقاقير المحلّلة للأخلاط ، فكأنّه أفلاطون زمانه ، فأيّ « 2 » مناسبة بين عربي لم تخالطه حضارة وبين حكيم تلك صفاته ؟ وجميع ذلك محمول على الذوق الصحيح ، فكلّ ذلك عند صاحب تلك السليقة في غاية التوضيح .
والثالث : أنّ هذا المطلع لم تكن فيه براعة استهلال ، وهي كما ذكره أهل هذا الفنّ عبارة عن أن يكون أوّل الكلام دالّا على ما يناسب ذلك حال المتكلّم متضمّنا لما سيق له الكلام من غير تصريح ، بل بألطف إشارة يدركها الذوق
هامش
( 1 ) أنوار الربيع في أنواع البديع 1 : 34 - 36 طبع النجف الأشرف .
( 2 ) في « ن » : فأين .