وهو كتاب جليل عدّة في الأدب ، لم يؤلّف في هذا العلم أحسن منه : قال أهل البيان : من البلاغة حسن الابتداء ، ويسمّى براعة المطلع ، وهو عبارة عن أن يتأنّق المتكلّم في ابتداء « 1 » كلامه ، ويأتي بأعذب الألفاظ ، وأجزلها وأرقّها وأسلسها ، وأحسنها نظما ، وألطفها سبكا ، وأصحّها مبنى ، وأوضحها معنى ، وأخلاها من الحشو والركّة والتعقيد ، والتقديم والتأخير الملبّس ، والذي لا يناسب .
إلى أن قال : ويعتبر في مطلع القصيدة زيادة على ذلك أن لا يكون متعلّقا بما بعده من الأبيات ، وأن يناسب بين قسميه أتمّ المناسبة ، بحيث لا يكون أحد الشطرين أجنبيا عن الآخر لفظا ومعنى ، فإذا اجتمعت هذه الشروط في مطلع القصيدة كان غاية في بابه .
إلى أن قال : وكثيرا ما يستشهد أرباب هذا الفنّ في هذا الباب بقول امرئ القيس :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل « 2 »
قالوا : وقف واستوقف ، وبكى واستبكى ، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد ، ومع ذلك فقد انتقده بعض الحذّاق بعدم المناسبة بين شطريه ؛ لأنّ صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك ، وكثرة المعاني ، وليس في الشطر الثاني شيء من ذلك ، قال ابن المعتزّ : قول النابغة :
كليني لهمّ يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب
مقدّم عليه ؛ لأنّ امرئ القيس وإن بالغ في الشطر الأوّل ، لكن قصّر في الثاني ،
هامش
( 1 ) في المصدر : أوّل .
( 2 ) غير موجود في ديوان امرئ القيس المطبوع .