تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
مجيئه بمعنى فعل ، كما ذكروا ذلك في تفاعيل واستفعل ، ثم قال بعد إيراد التصدير والتعجيز ، وهو :
بروحي ومالي جيرة ما استعنتهم * فخبت ولا ظنّي المصدّق خانا ولا جئتهم مستنجدا صارخا ولو * على الدهر إلّا وارتجعت معانا أراشوا جناحي ثمّ بلّوه بالندى * لكي أتّقي في ظلّهم فأصانا وعندهم استوطنت وكرا بروضة * فلم أستطع عن حيّهم طيرانا
وكلّه حسن ، إلّا تعجيزه بقوله « أراشوا جناحي ثمّ بلّوه بالندى » بقوله « لكي أتّقي في ظلهم فأصانا » كما لا يخفى ذلك على المتأمّل العارف بمواقع الألفاظ ولطائف المعاني . يوضحه : إنّ قوله « جناحي » استعارة مصرّحة ، والإراشة ترشيح ، وقوله « ثمّ بلّوه بالندى » تشبيه لاتّصال النعم إليه ، وترادفها عليه ، بعد خبر حالة النهاض بالبلّ للجناح الكامل الرشّ في ترتّب التحيّز والمكث ، وعدم القدرة على النهوض بعد كلّ منهما ، فهو استعارة مصرّحة تبعيّة . وقوله « فلم أستطع عن حيّهم طيرانا » تفريع على الاستعارة بما يلائم المستعار منه من عدم استطاعة الطيران ، فالاستعارة مرشّحة ، فما أبلغ هذا الكلام مع التئام صدره وعجزه غاية الالتئام . وأمّا تعجيز السيّد له بما ذكر ، فهو منفكّ عنه غير ملتئم به ؛ إذ لا مناسبة بين البلّ للجناح والاتّقاء والصون ، ولو قال : لكي أتّقين بنون التأكيد الخفيفة داخلة على المضارع لكان مناسبا ، ويكون تجريدا لا ترشيحا ، ودخول نون التوكيد على المستقبل الذي هو خبر محض غير منفي ، وإن كان غير جائز في الشفة ، فللشعر أحكام تجوّز له ما يخطر على غيره ، واللّه سبحانه أعلم . انتهى كلام السيّد المؤرّخ .