فأسرّها في نفسه ولم يبد له شيئا من ذلك ، وكان يتعاطى خدمته وخدمة إسماعيل باشا ، ويتردّد عليهما لقضاء حوائجهما ، وعند قرب سفرهما تواطئا على قتله ، فأرسلا إليه وطلباه ، واعتقلاه في خيمة من خيام العسكر ، ودرّكابه « 1 » شخصان « 2 » من كبار العسكر ، وأمراه أن يأتي به إليهما بعد مضي ستّ ساعات من الليل ليقتلانه .
فلمّا جزم بالهلاك ، اشتدّ به الحال ، وآيس من الحياة ، فاستند إلى صندوق في الخيمة وهو يفكّر في حاله ، فمضى جانب من الليل وهو على هذه الحالة .
فبينما هو كذلك وإذا الرجل الموكّل به منكبّ على وجهه يصيح مدد مدد ، فحرّكه بيده وناداه باسمه مرارا ، فلم يجبه ، فعظم روعته ، ثمّ عمد إلى إبريق وأخذه بيده ليبول ثمّ يعود .
فلمّا خرج عن الخيمة ، خيّل له أنّهم الآن ينتبهون ويعيدونه بغلاظة وإهانة ، فعزم على العود ، فأحسّ عند ذلك بدافع يدفعه إلى قدّام ، مع زوال ما كان به من الارتياع ، ووقدة « 3 » جميع الحرّاس المحيطين بالخيمة ، فتقدّم ومشى ، ولحقه غلام كان له كان معه ، إلى أن اتّصل بجدار المعلّاة ، ثمّ قفز من الجدار إلى داخل المقبرة ، واختفى ببعض المحالّ المقاربة لقبّة السيّدة خديجة رضي اللّه عنها .
فانتبهت الحرّاس ، وأوقدوا المشاعل ، وفزعت الخيل والعساكر خلفه وهو يشهدها ، فلمّا غابت عنه زوال وهمه قام ومشى في المقابر ، وخرج من باب تربة
هامش
( 1 ) كذا في النسختين ، ولعلّ الصحيح : وبركابه .
( 2 ) في « د » : شخصا .
( 3 ) في « ن » : ورقدت .