تسقط قومته ، ويهبط مقامه ، وقد شاهدنا هذا غير مرّة .
فظهر من ذلك أنّ قيامهم إنّما هو لأجل العلم والكمال ، فإذا كان كذلك فلأيّ شيء لم يقم لمن أحرز هذه الرتبة السنيّة ، وهي رتبة الافتاء .
وأغرب من ذلك أنّه أورد بعد سرده لهذا الكلام أحاديث يستدلّ بها على زعمه ، منها : قوله صلّى اللّه عليه وآله « أنزلوا الناس منازلهم » « 1 » وما في هذا المعنى ، وهو يدلّ على خلاف ما ذكره ، وهو القيام لمن ليس أهلا له ، وعدم القيام لمن يستحقّه استحقاقا واجبيا ، وحمى اللّه الملوك عن مثل هذا السلوك .
وربما يؤول ممّا ذكره لو كان واقعا ضرر عظيم ، وهو عدم الاهتمام بالكدّ والاجتهاد في تحصيل الكمالات ، اعتمادا على أنّه ابن فلان ، وأنّه من ذوي البيوتات ، وأنّه إذا كان كذلك ، فهو يكفي في حفظ المقام عند الملك ، فيذهب صارفا لنفيس عمره فيما لا يكسبه كمالا وفضلا .
والذي بلغني أنّ ذلك المذكور في الوسيلة إنّما كان منشؤه وصدوره عن هوى وغرض واقع بين المؤلّف وبين بعض معاصريه من ذوي الفضيلة والافتاء ، غير أنّهم لم يكونوا من ذوي البيوتات ، وربما ذكر ذلك بعض العلماء .
ونبّه على مثل ما نبّهت عليه العصامي « 2 » في تاريخه « 3 » ، وغيره في غيره ، فلا
هامش
( 1 ) كنز العمّال للمتّقي الهندي 3 : 109 برقم : 5717 و 6 : 631 .
( 2 ) هو العلّامة المؤرّخ عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي المكّي الشهير بالعصامي ، ولد بمكّة سنة ( 1049 ) وتوفّي بمكّة أيضا سنة ( 1111 ) ه ، وله مؤلّفات ، منها كتابه التاريخ المسمّى سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي ، مطبوع في سنة ( 1419 ) ه في أربع مجلّدات .