الأرض ، ولم يدعى إليه قريش ، بل كان ممنوعاً بينهم ، وفي يوم الغار هل قام الدين بين الخلق ؟ وهل حصل في نصبه لطف للمكلّفين ؟ ومهما أجابوا به عن ذلك فهو جوابنا هنا .
فإن قالوا : كيف جاز في الحكمة الإلهية إخلاله تعالى بلطف التصرّف ؟ أم كيف جاز على الإمام وأنتم تقولون بعصمته إخلاله به ؟
قلنا : الإخلال به إنّما هو من رعيته لقصدهم إيّاه بالقتل ونحوه من أنواع الضرر ، ولا يجب في الحكمة أن ينزل ملائكة من السماء ينصرونه ، أو يرسل معه عساكر من الجنّ ليقيم الدين بين الخلق ؛ لأنّ مراده منهم الطاعة ، لا على وجه الإلجاء ، بل باختيارهم ، ولهذا إذا صارت المعرفة ضرورية لا يقبل الإيمان حينئذ ، كما في المحتضر وأشراط الساعة .
وحاصله : أنّ اللطف إنّما يجب إذا لم يناف التكليف ، وقد اتّفق هنا منافاته له ، وإن كانوا زاعمين أنّ العبد لا اختيار له ، وأنّه لا فاعل في الوجود سوى اللَّه سبحانه ، وإليه ذهب من رؤساء علمائهم فخر الدين الرازي في الأربعين « 1 » ، والغزالي في إحياء علوم الدين .
وإذا كان كذلك ، فقد صدق عليهم ما قاله الخوارزمي في الفائق « 2 » : إنّ شيوخنا كفّروهم . وحكى قاضي القضاة عن أبيعلي الجبائي : المجبّر كافر ، ومن شكّ في كفره فهو كافر « 3 » .
هامش
( 1 ) الأربعين للرازي ص 237 ، الطرائف ص 335 عنه .
( 2 ) وهو غير الفائق في غريب الحديث للزمخشري .
( 3 ) الطرائف للسيد ابن طاووس ص 313 عن الفائق للخوارزمي .