صار في ذاك المنزل من المال ألف دينار ، وكان محبّاً لشيخنا ، مقبلًا عليه ، متلطّفاً به ، ولمّا رآه أوّل مرّة راكباً في المحارة وهو كان في المحفّة سلّم عليه وتواضع معه ، وقال له : يا شيخ أنا أوّل حجّة حججتها ، ركبت في الموهية ، وهي عبارة عن وعاء من الخوص ، وأنت الحمد للَّهمن أوّل حجّة ركبت في المحارّة « 1 » .
وكان شيخنا يتحرّي أن لا يراه وقت الإحرام ، فاتّفق أنّه صادفه حال السير محرماً ، فقال له بصوت عال : ما أحسن هذا ، ما أحسن هذا ، تقبّل اللَّه منكم ، وكانت له معه محاورات ولطائف في تضاعيف المباحثات .
سأله يوماً في الطريق : ما تقولون في أمر هؤلاء العوام والرعاع الذين لا يعرفون شيئاً من الدلالات المنجية من الهلكات ؟ ما حكمهم عند اللَّه سبحانه ؟
وهل يرضى منهم مع هذا التقصير ؟ بل ينتقل « 2 » الكلام إلى العلماء الأعلام والفضلاء الكرام الذين جمد كلّ فريق منهم على مذهب من المذاهب الأربعة ، ولم يدر ما قيل فما عدا المذهب الذي اختاره ، مع قدرته على الاطّلاع والتفحّص ، وإدراك المطالب ، وقنع بالتقليد للسلف ، وجزم بأنّهم كفوه مؤونة ذلك ، ومن المعلوم أنّ الحقّ في جهة واحدة ، فإن قالت أحد الفرق : الحقّ في جانبنا ، إعتماداً على فلان وفلان ، فكذلك الأُخرى تقول إعتماداً على محقّقيهم وأعيان مشايخهم ؛ لأنّ ما من فرقة إلّاولها فضلاء ترجع إليهم وتعوّل عليهم .
فالشافعية مثلًا يقولون : نحن الإمام الشافعي وفلان وفلان كفونا ذلك ، وكذلك
هامش
( 1 ) من الحرير ، أي : ركبت أنت على محمل من الحرير ، وركبت أنا على محمل من الخوص .
( 2 ) في الدرّ : تنقل .